سياسة وعلاقات دولية

الإدماج المباشر لخريجي الإجازة في التربية مطلب “معقول” رغم ضعف تكوينهم

مع ترقب الإعلان عن مباراة ولوج مراكز التربية والتكوين، يستمر النقاش خلال الفترة الراهنة، حيث يطالب خريجو الإجازة في التربية، بالإدماج المباشر في مراكز التكوين، وإعفائهم من المباراة الكتابية والشفوية، معتبرين نفسهم الأحق بالولوج إلى مهنة اختاروها منذ الحصول على البكالوريا.

وفي المقابل يؤكد خريجو الجامعات أن الولوج لمهنة التعليم لا ينبغي أن يقتصر على فئة محددة، مشددين على أن السنوات الأخيرة أثبتت أن خريجي الإجازة الأساسية يتفوقون على نظرائهم من خريجي كلية علوم التربية، المدارس العليا للأساتذة، والمدارس العليا للتربية والتكوين، في مباراة ولوج مهنة التعليم، داعين من هذا المنطلق إلى مواصلة فتح باب ولوج مهنة “مربي الأجيال” أمام مختلف التخصصات.

يؤكد الحسين الزاهيدي، أستاذ التعليم العالي وخبير في السياسات التربوية أن مطالب خريجي الإجازة في التربية بالإدماج المباشر في مراكز التكوين “معقولة”، مؤكدا أنهم لا يتحملون مسؤولية ضعف تكوينهم، ومرجعا هذا “الضعف “إلى طريقة إحداث مؤسسات التربية والتكوين التي يتم الولوج إليها بعد الحصول على شهادة البكالوريا وعدم استكمال التصور الذي قامت عليه.

وأوضح الزاهيدي، في حديث ل”مدار21″، أن تقييم تجربة الإجازة في التربية ومؤسساتها يستوجب استحضار السياق الذي أُحدثت فيه، مشيرا إلى أن المنظومة التعليمية كانت تعاني، في مراحل سابقة، من ضعف جاذبية مهنة التدريس، إذ كان عدد من الملتحقين بها يعتبرونها فرصة أخيرة بعد تعذر الولوج إلى مسارات مهنية أخرى.

وأضاف أن هذا الوضع انعكس أنداك على الحافزية والرضا المهني لدى عدد من العاملين في القطاع، كما أثر في مردودية المنظومة وصورة المدرسة العمومية، معتبرا أن من بين العوامل التي ساهمت في ذلك اعتماد التوظيف المباشر وإدماج حاملي الشهادات دون تكوين بيداغوجي كاف.

وأشار الخبير التربوي إلى أن مرحلة “المغادرة الطوعية” شكلت بدورها منعطفا مهما في تاريخ المنظومة التعليمية، بعدما تسببت، في إفراغ عدد من المؤسسات من أطرها وخبراتها المتراكمة، وهو ما خلف خصاصا انعكس على التدبير والتكوين.

وسجل أن اعتماد التوظيف المباشر وإدماج حاملي الشهادات في سياق الاستجابة للمطالب الاجتماعية وتوفير فرص الشغل ساهم في تفاقم اختلالات المنظومة، مستحضرا أن تجربة التوظيف بالتعاقد، في مراحلها الأولى، عرفت بدورها ضعفا في التكوين.

وشرح الزاهيدي أن إحداث مؤسسات الإجازة في التربية جاء بهدف إعادة الاعتبار لمهنة التدريس وجعلها أكثر جاذبية، من خلال استقطاب التلاميذ المتفوقين الراغبين في ممارسة المهنة منذ بداية مسارهم الجامعي عقب الحصول على البكالوريا، وتوفير تكوين جامعي متخصص ومنح وتشجيعات، على أساس الجمع بين التكوين النظري والتطبيقي.

غير أنه اعتبر أن هذا التصور، رغم وجاهته، لم يجر تنزيله بالشكل المطلوب، سواء على مستوى تأسيس هذه المؤسسات أو توفير الموارد البشرية والخبرات اللازمة لضمان جودة التكوين، مسجلا أن عدم استكمال المشروع وفق الروح التي أُحدث من أجلها أفرز ضعفا في التكوين المقدم لخريجيها.

واستحضر المتحدث مقتضيات القانون الإطار رقم 51.17 معتبرا أن التصور الأصلي كان يتجه نحو إعادة هيكلة مؤسسات التكوين وتجميع مواردها وخبراتها من خلال دمج مراكز التربية والتكوين، بمؤسسات التكوين في الإجازة في التربية من أجل الـتأهيل المهني والموازنة بين التكوين في شقيه النظري والتطبيقي.

القانون الإطار

وجدير بالذكر في هذ السياق أن المادة 12 من القانون الإطار 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي تنص صراحة على أنه”

يعتمد تنظيم التعليم العالي على مبدأ الملاءمة المستمرة بين مختلف أصناف التكوينات المقدمة في إطاره والتحولات الاقتصادية والاجتماعية، مع الأخذ بعين الاعتبار تطور الأنظمة الجامعية على الصعيد الدولي.

ويستند التنظيم المذكور على الأسس التالية:

– إعادة هيكلة التعليم العالي من خلال تجميع مختلف مكوناته لما بعد البكالوريا على أساس الانسجام والتكامل والفعالية وفق مخطط متعدد السنوات متشاور بشأنه بين جميع الفاعلين، يتم تنفيذه بصفة تدريجية، ووفق برمجة زمنية محددة.”

البرنامج الحكومي السابق

وفي السياق نفسه ورد في البرنامج الحكومي للولاية السابقة ” “تتعلق الركيزة الثانية للخطة التربوية بتعزيز القدرات التكوينية للبنيات الحالية. فعلى مستوى الإجازة، تتطلب كل من ضرورة توظيف نحو 15.000 أستاذ سنويا، وطموح الحكومة للرفع من جودة التكوين المقدم، تعزيزا كبيرا للموارد وطاقة الاستقبال في البنيات الحالية. وتضم هذه البنيات المدارس العليا للتربية والتكوين، وكلية علوم التربية بالرباط، فضلا عن المدارس العليا للأساتذة.”

“كما تعزز موارد المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين لتعزيز جودة التكوين المستمر للأساتذة. وتشكل هذه المراكز حاليا المستوى الثاني من تكوين الأساتذة، وسيتم في نهاية المطاف إدماجها في النظام الجامعي. وتحرص كلية التربية والتكوين على تيسير هذا الاندماج من خلال المساهمة في التنسيق بين التكوين المتبع في سلك الإجازة والتكوين الممنوح في المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين.”

وعاد الحسين الزاهيدي ليؤكد أن هذا التوجه كان يروم الاستفادة من الخبرات المتراكمة داخل المراكز الجهوية، التي ورثت تقاليد تكوينية عريقة، مشددا على أن الحفاظ على هذه الخبرات وتوظيفها إلى جانب الأطر الجامعية الجديدة من شأنه تعزيز جودة التكوين واستمراريته، لافتا في هذا الصدد إلى التفاوت الكبير بين التكوين في مدارس الأساتذة، ونظيره في مراكز التربية والتكوين

وانتقد “ضعف التأطير المهني والتطبيقي داخل مؤسسات الإجازة في التربية”، موضحا أن تكوين المدرس لا ينبغي أن يقتصر على التخصص الأكاديمي والحصول على شهادة جامعية، بل يتطلب خبرة ميدانية ومعرفة بخصوصيات القسم والمؤسسة التعليمية وممارسات التدريس.

وربط المصرح عينه هذا الإشكال بنتائج مباريات ولوج مهنة التعليم، مشيرا إلى أن خريجي الإجازة الأساسية يحققون، بحسب ما أفاد به، نتائج أفضل من خريجي الإجازة في التربية، مستدركا أن هذا المعطى لا يعني بالضرورة تفوق “خريجي الجامعات “من حيث الكفاءة، بقدر ما يعكس، وفق تقديره، ضعف التكوين الذي يتلقاه خريجو مؤسسات الإجازة في التربية.

مطالب مشروعة

وبخصوص مطالب خريجي الإجازة في التربية بالإدماج المباشر في مراكز التكوين، أقر الزاهيدي بمشروعيتها معتبرا أنه لا يمكن تحميل هؤلاء الخريجين مسؤولية ضعف التكوين الذي تلقوه، أو التراجع عن الوعود والآفاق المهنية التي ارتبطت باختيارهم هذا المسار منذ البداية.

وزاد شارحا أن هذه الفئة اختارت تخصص التربية بناء على تصور يربط التكوين الجامعي بممارسة مهنة التدريس، ولذلك لا ينبغي التعامل معهم باعتبارهم مسؤولين عن الاختلالات التي رافقت تنزيل هذا المشروع، خاصة أنهم لا يتحكمون في طبيعة التكوين أو شروط تأطيره.

وفي الوقت نفسه، شدد على ضرورة عدم تحويل قطاع التعليم إلى آلية لمعالجة البطالة واستيعاب جميع حاملي الشهادات، معتبرا أن التعليم والصحة مجالان يتطلبان كفاءات مؤهلة، ولا ينبغي اختزال التوظيف فيهما في الاستجابة للمطالب الاجتماعية أو الاحتجاجات المرتبطة بالتشغيل.

وأوضح الخبير التربوي أن فتح مباريات التوظيف دون مراعاة حاجيات المنظومة وجودة التكوين لن يقدم حلا مستداما، بل قد يعيد إنتاج الوضعية التي عرفها القطاع في مراحل سابقة، مؤكدا أن مهنة التدريس ينبغي أن تستقطب الراغبين فيها والمؤهلين لممارستها.

إصلاحات للمستقبل

أما عن الإصلاحات المطلوبة، فدعا الحسين الزاهيدي إلى إجراء تقييم شامل لتجربة مؤسسات الإجازة في التربية، وكذلك إلى إعادة النظر في برامج التكوين المعتمدة بها، مع تفعيل مقتضيات القانون الإطار المتعلقة بإعادة هيكلة التعليم العالي وتجميع مكوناته.

وشدد على ضرورة إدماج مؤسسات الإجازة في التربية مع المراكز الجهوية من شأنه إرساء مسار تكويني متكامل يمتد لخمس سنوات، يجمع بين التكوين النظري والمهني والتطبيقي، قبل الحصول على الدبلوم والولوج إلى مهنة التدريس، داعيا في هذا الصدد إلى إخضاع الأستاذ المعين لفترة تدريب بعد تعيينه، قبل ترسيم وضعيته في المهنة.

وشدد الزاهيدي على أن هذا الإدماج لا ينبغي التعامل معه باعتباره إجراء شكليا أو تقنيا، بل باعتباره ضرورة لضمان التعاضد بين الموارد البشرية والخبرات التكوينية، والاستفادة من التقاليد المهنية والميدانية المتراكمة داخل المراكز الجهوية، مجددة الدعوة إلى إخضاع مؤسسات التكوين الجامعي في مجال التربية لتقييم شامل، من أجل تحديد مكامن الضعف ومعالجة التحديات المرتبطة بالتأطير والمناهج والتكوين التطبيقي.

وختم الخبير التربوي بالتأكيد على أن إصلاح منظومة تكوين المدرسين يقتضي استحضار الأهداف التي أُحدثت من أجلها هذه المؤسسات، وعدم الاكتفاء بإحداثها دون توفير شروط نجاحها واستدامتها، محذرا من أن استمرار الوضعية الحالية قد يعيد المنظومة إلى نماذج سابقة لم تنجح في ضمان جودة التكوين والأداء التربوي

اترك تعليقاً

إغلاق