سياسة وعلاقات دولية

449 حكماً في الجرائم المالية و720 قراراً في قضايا غسل الأموال خلال 2025

أكد محمد عبد النباوي، الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، أن القضاء المغربي يواصل تعزيز نجاعته في التصدي للجرائم المالية وغسل الأموال، كاشفاً أن أقسام الجرائم المالية بمحاكم الاستئناف الأربع المختصة أصدرت خلال سنة 2025 ما مجموعه 449 مقرراً قضائياً، فيما أصدرت المحاكم المختصة أكثر من 720 مقرراً قضائياً في قضايا غسل الأموال، في مؤشرات قال إنها تعكس قدرة متزايدة على استهداف العائدات الإجرامية وتجفيف منابعها.

وجاءت هذه المعطيات في كلمة ألقاها، اليوم الجمعة بمدينة طنجة، خلال افتتاح أشغال الندوة الدولية حول “القوانين الوطنية لمكافحة الفساد ذات الامتداد خارج الإقليم”، المنظمة من طرف الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها.

وأفاد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية بأن أقسام الجرائم المالية بمحاكم الاستئناف الأربع المختصة أصدرت خلال سنة 2025 ما مجموعه 449 مقرراً قضائياً، تضمنت غرامات ومصادرات وتعويضات مدنية لفائدة الدولة والمؤسسات المتضررة ناهزت مليارات الدراهم.

وأضاف المسؤول القضائي، أن المحاكم المختصة في قضايا غسل الأموال أصدرت خلال السنة نفسها أكثر من 720 مقرراً قضائياً في مواجهة أزيد من 1496 متهماً، مع غرامات ابتدائية لا يقل مجموعها عن 200 مليون درهم، وبمتوسط أمد للبت في الملفات لا يتجاوز 110 أيام، في احترام ملموس للآجال الاسترشادية المعتمدة.

واعتبر عبد النباوي أن هذه المؤشرات تعكس، في تقديره، “نجاعة متنامية في تصريف هذا الصنف من القضايا، وقدرة متزايدة للقضاء المغربي على استهداف العائدات الإجرامية في عمقها المالي”، مؤكداً أن “تجريد الجريمة من عائداتها هو أنجع سبيل لتجفيف منابعها”، باعتبارها القاعدة الذهبية في مكافحة الجريمة المنظمة.

وأكد أن القضاء يظل الضامن الفعلي لسمو القانون والحصن الأخير لحماية الحقوق، موضحاً أن موضوع الندوة يسائل السلطة القضائية بشكل مباشر، بالنظر إلى دورها المحوري في مكافحة الفساد، سواء من خلال تطبيق القانون الجنائي، أو الرقابة على أعمال الإدارة المتعلقة بالصفقات العمومية وغيرها، أو عبر الدعاوى التجارية، فضلاً عن اختصاصها في تقديم المساعدة وإجراءات التعاون القضائي الدولي في مختلف القضايا المرتبطة بالفساد.

وأشار إلى أن مؤسسات السلطة القضائية تركز على التكوين المستمر لدعم قدرات القضاة وترسيخ قيم مكافحة الفساد، وتحسيسهم بدور القضاء في تنظيف الحياة العامة من الممارسات الماسة بالشفافية والنزاهة وتكافؤ الفرص، مع التركيز على حماية الحقوق والحريات واحترام الالتزامات والواجبات.

وأضاف أن السلطة القضائية تعمل أيضاً على نشر وتعميم الاجتهاد القضائي لتحقيق الأمن القضائي واستقرار المعاملات، إلى جانب تعزيز النجاعة القضائية من خلال شفافية الإجراءات، وتبسيط المساطر، والبت في النزاعات داخل آجال معقولة، في احترام تام لاستقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة، فضلاً عن تفعيل آليات التعاون القضائي الدولي بما يخدم مبدأ منع الإفلات من العقاب ويسمح بتحقيق أهداف المعاهدات الدولية، وفي مقدمتها اتفاقية مكافحة الفساد.

وفي السياق ذاته، سجل عبد النباوي أن العقدين الأخيرين شهدا تحولاً نوعياً في بنية القانون الجنائي الاقتصادي على الصعيد الدولي، تمثل في التنامي المتسارع للقوانين الوطنية لمكافحة الفساد ذات الامتداد العابر للحدود، وهو تحول قال إنه زعزع مبدأ إقليمية القانون الجنائي، الذي ظل لسنوات أحد المسلمات الكلاسيكية في الفكر القانوني.

وأوضح أن هذا التطور، رغم دعمه لمصلحة العدالة ومنع الإفلات من العقاب، يطرح أمام القضاء إشكالات دقيقة، من بينها التوفيق بين الحفاظ على السيادة القانونية للدول ومتطلبات العدالة التي قد تقتضي التخلي عن الاختصاص لفائدة قضاء دولة أخرى، إضافة إلى تنازع الاختصاص، وتعدد المتابعات، وجمع الأدلة عبر الحدود، وحماية المعطيات الشخصية، وضمانات المحاكمة العادلة.

وأكد أن القضاء المغربي، إلى جانب مساهمته في حماية الاقتصاد الوطني ونزاهة المقاولة المغربية داخل التراب الوطني، يمتد اختصاصه إلى الأشخاص الذاتيين والمعنويين الحاملين للجنسية المغربية عند ارتكاب جرائم فساد خارج الحدود، مشيراً إلى أن المجلس الأعلى للسلطة القضائية يتابع باهتمام تطور التشريعات الأجنبية في هذا المجال، ومنها القانون الأمريكي FCPA، والتشريع الفرنسي، والتجربة البريطانية، بهدف استخلاص الدروس والاستفادة من الآليات التي أثبتت نجاعتها.

وشدد على أن جوهر هذه التجارب لا يكمن في استنساخها، بل في استيعاب فلسفتها، معتبراً أن مكافحة الفساد خارج الإقليم تقتضي من المقاولة الوطنية، خاصة العاملة في الأسواق الدولية، الانتقال من ثقافة رد الفعل إلى ثقافة الامتثال الوقائي، عبر اعتماد خرائط للمخاطر، ومدونات للسلوك، وتكوين العاملين، وتدقيق الوسطاء، والتحقق من المستفيدين الحقيقيين، وإحداث قنوات آمنة للتبليغ، وتوثيق القرارات التجارية الحساسة، مؤكداً أن الامتثال لم يعد ترفاً إدارياً، بل أصبح شرطاً للمنافسة وحماية السمعة واستدامة النشاط.

اترك تعليقاً

إغلاق