سياسة وعلاقات دولية
من 13 مقعدا إلى طفرة انتخابية.. دراسة تفكك عودة حزب بنكيران

حقق حزب العدالة والتنمية تقدما كبيرا خلال الاستحقاقات التشريعية الأخيرة، حيث تمكن من مضاعفة عدد مقاعده بأكثر من أربع مرات مقارنة باقتراع 08 شتنبر 2021، ليخرج بذلك من عنق الزجاجة الذي وضعته فيه انتخابات ،2021 حيث كان رصيده الانتخابي لا يتجاوز 13 مقعدا نيابيا، ما يؤكد أن هناك مجموعة من العوامل تتداخل فيها التنظيمية والداخلية بالسياسية والجيواستراتيجية قادت إخوان بنكيران إلى إحراز طفرة انتخابية.
وفي هذا السياق، صدرت ورقة بحثية عن المعهد المغربي لتحليل السياسات تبحث في طبيعة وأنواع هذه العوامل، وتفسر كيف ساهمت كل واحدة منها في تحقيق الزخم الانتخابي للإسلاميين وعودتهم للتموقع ضمن مراكز الصدارة سياسيا وانتخابيا.
تجاوز ارتدادات التطبيع واستثمار “طوفان الأقصى”
اعتبرت الدراسة توقيع العثماني ،أمين عام العدالة والتنمية حينها، على الإعلان المشترك بين المغرب وأمريكا وإسرائيل الذي تم على إثره استئناف العلاقات مع إسرائيل، بمثابة صدمة للوجدان الجماعي لأعضاء الحزب والمتعاطفين معه، نظرا لمركزية القضية الفلسطينية تاريخيا في الأطروحة السياسية والخطاب التواصلي للحزب، ما جعله عرضة لانتقادات حادة واتهامات بالتناقض بين الخطاب المناهض لإسرائيل وواقع التطبيع معها.
وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى تأدية كلفة انتخابية باهضة الثمن تجسدت في انهيار غير مسبوق لأسهم الحزب في بورصة الانتخابات جعلته يعجز حتى عن تشكيل فريق برلماني بمجلس النواب، كما رسخت شرخا تنظيميا كبيرا في صفوف قياداته وكذا قواعده انتهت باستقالة العثماني وإخوانه وفسح المجال أمام بنكيران للعودة مجددا لقيادة التنظيم الحزبي.
وأشارت الدراسة إلى أن أحداث 07 أكتوبر 2023 المعروفة إعلاميا ب “طوفان الأقصى”، شكلت متنفسا حقيقيا للحزب وورقة عرف كيف يوظفها لإعادة القضية الفلسطينية إلى قلب خطابه وأنشطته السياسية والتنظيمية وتجاوز ارتدادات توقيعه على اتفاقية استئناف العلاقات مع إسرائيل.
كما أوردت الدراسة أن استقبال الحزب لوفد حركة حماس في يونيو ،2021 وكذا اختيار حركة التوحيد والإصلاح، الجناح الدعوي للحزب، خيار الصمت وعدم تعميق الجراح منذ ما بعد واقعة التوقيع، بمثابة عاملين مساهمين في تجنب تأزيم الوضعية التنظيمية للحزب.
المعارضة البرلمانية “الشرسة” ضد حكومة أخنوش
أفادت الورقة البحثية لصاحبها عبد الرحمان علال الباحث في القانون العام والعلوم السياسية، أن تموقع الحزب في صفوف المعارضة خلال انتخابات 08 شتنبر بعد سنوات من التدبير الحكومي المنهكة، وممارسته الرقابة على أداء حكومة أخنوش، وإثارته لملفات تدبيرية شائكة وقضايا اجتماعية وأخلاقية حساسة مثل ما اعتبرته المجموعة النيابية للحزب بمثابة حالات تضارب المصالح لدى بعض أعضاء الحكومة، وقضية إعفاء مستوردي الماشية من الرسوم، التي تعرف إعلاميا ب “الفراقشية”، وأيضا التركيز على بعض “الاختلالات” في تنزيل السياسات الاجتماعية خاصة الحماية الاجتماعية وإصلاح قطاعي التعليم والصحة. وهي كلها ملفات تقول الدراسة أن قيادة الحزب وقواعده عرفت كيف تستغلها وتوظفها كوقود لحملتها الانتخابية خلال الاستحقاقات التشريعية الأخيرة.
كاريزما بنكيران وتعبئته التنظيمية
أوضحت الدراسة، أن الأمين العام لحزب “المصباح” عبد الإله بنكيران، كان له دور أساسي في التقدم الانتخابي الذي حققه الحزب، بفضل شخصيته الكاريزمية و خبرته العميقة بواقع التنظيم الحزبي ودرايته الواسعة بأعضائه، إلى جانب قدرته الشخصية على صون تماسك الحزب وحمايته من التشتت.
وأضافت الدراسة، أن استيعاب مكانة بنكيران داخل الحزب لا تقتصر على استحضار دهائه السياسي وخبرته التنظيمية، بل وجب أخذ بعين الاعتبار نزوع بنكيران نحو تكريس قاعدة “الشيخ والمريد” ما يضيق الخناق أمام بروز أصوات أخرى معارضة أو تصورات سياسية مخالفة، مضيفة أنه حتى حين تتسلل بعض هذا الأصوات إلى الواجهة التنظيمية والحزبية فإنها سرعان ما تتوارى إلى الخلف أو ينتهي مسار أصحابها داخل التنظيم بالانسحاب منه.
كما يركز صاحب الورقة البحثية هذه، على الاستراتيجية التواصلية لبنكيران خلال حملته الانتخابية الأخيرة، التي زاوجت بين الاعتماد على الأدوات التواصلية الرقمية خاصة مواقع التواصل الاجتماعي من خلال بث كلماته وخطبه السياسية في صفحته الشخصية وصفحات الحزب على شبكات التواصل الاجتماعي، والقيام بجولات مكوكية ميدانية شملت مختلف أنحاء ومناطق البلاد، معتمدا في ذلك على لغة تواصلية مباشرة وقريبة من المواطنين، وأسلوب مرتكز على مهاجمة خصومه السياسيين، ما يضفي على خطابه، حسب المصدر ذاته، عنصر التشويق والاهتمام.
“حراسة الصناديق وحماية النتائج”
يوضح علال أن حزب “المصباح” دخل الانتخابات التشريعية بصفوف قوية ومتكاملة وجاهزية تنظيمية تجلت في تغطيته لجميع الدوائر المحلية والجهوية، والدفع بنخبة من قياداته وأطره وقواعده لخوض غمار هذه الاستحقاقات. مضيفا أن هذا الاستعداد والحشد التنظيمي امتد إلى يوم الاقتراع حيث تمت تعبئة 26 ألف مراقب للحزب في ما مجموعه 40694 مكتب تصويت.
ويشير صاحب الدراسة إلى أن مهمة هؤلاء تمثلت في مراقبة عملية التصويت بمختلف مراحلها وإخبار الإدارة الانتخابية للحزب بأي مستجد في هذا الإطار، إلى جانب الحصول على محاضر التصويت وهي مهمة حاسمة حسب المصدر عينه في حماية نتائج الاقتراع.
كما توقف الباحث عند استراتيجية الضغط الانتخابي التي تبناها الأمين العام للحزب عبد الإله بنكيران عبر تصريحاته الإعلامية المتكررة التي تحدث فيها كل مرة عن اتصاله بوزير الداخلية، إثر توصله بإشعارات حول “امتناع” بعض رؤساء مكاتب التصويت عن تسليم المحاضر لممثلي حزبه في المكاتب، مشيرا ( أي بنكيران) إلى طمأنته من طرف الوزير بإصدار تعليمات صارمة من أجل تسليمها.
وخلص علال في دراسته إلى كون كل هذه العوامل الداخلية والخارجية، التنظيمية والسياسية، قد تداخلت وتظافرت جميعها لتفرز طفرة انتخابية فعلية لحزب بنكيران وتمنحه جرعة تعافي تنظيمية وانتخابية بعد صدمة 08 شتنبر 2021.