سياسة وعلاقات دولية
في ضرورة القطيعة الإبستيمولوجية للفكر الاقتصادي المعاصر

انتهى الجزء الأول من هذا المشروع الفكري، المنشور تحت عنوان “اقتصاد بلا عقيدة: لماذا تحتاج ثورة الذكاء الاصطناعي إلى البراغماتية لا المذاهب؟”، إلى أطروحة مركزية مفادها أن المذاهب الاقتصادية الكبرى، الرأسمالية والاشتراكية والنيوليبرالية، تشترك في افتراض إبستيمولوجي واحد يجعلها عاجزة بنيويًا عن استيعاب تحول تتغير فيه شروط الإنتاج والعمل والقيمة بوتيرة تُقاس بالأشهر لا بالعقود، وطرح المقال البراغماتية بديلاً منهجيًا يقيس السياسات بنتائجها القابلة للقياس لا بمطابقتها لنص نظري مسبق.
غير أن هذا الطرح، على وجاهته، يترك سؤالاً معلّقًا يستوجب معالجة مستقلة: لماذا يجب أن يكون الانتقال إلى البراغماتية قطيعة مع المذاهب القائمة، لا مجرد إصلاح داخلي يُطعّم هذه المذاهب بجرعة إضافية من المرونة والتجريب مع الإبقاء على أسسها النظرية سليمة؟ فمن الناحية المنطقية المحضة، يمكن لمدافع عن الرأسمالية أن يستوعب نقد الجزء الأول بالقول: “لنُدخل آليات تصحيح أسرع، ولنُقِرّ بعض التدخل التنظيمي المرن، لكن ضمن حدود الإطار الرأسمالي ذاته”، والقول ذاته يصح لمدافع عن الاشتراكية أو النيوليبرالية. إذا كان هذا الاعتراض صحيحًا، فإن أطروحة الجزء الأول تفقد قوتها الجذرية وتتحول إلى مجرد توصية بـ”مزيد من المرونة” داخل الأنساق القائمة، لا إلى تجاوز حقيقي لها.
يطرح هذا الجزء الثاني أطروحة مركزية تسد هذه الثغرة: إن ما تستوجبه اللحظة الراهنة ليس إصلاحًا تدريجيًا داخل المذاهب الاقتصادية، بل قطيعة إبستيمولوجية بالمعنى الدقيق الذي أرسته فلسفة العلوم المعاصرة، أي انتقال من نمط معرفي يبدأ بالجواب المسبق (المذهب) إلى نمط معرفي يبدأ بالسؤال والأداة الاستقصائية (المنهج). هذا الانتقال، كما سيُبيّن هذا المقال، ليس ممكنًا عبر التراكم أو الترميم الجزئي داخل الأطر القديمة، بل يستلزم بالضرورة انفصالاً جذريًا عنها، على غرار ما أثبتته فلسفة العلوم بشأن طبيعة التقدم المعرفي ذاته. سيتبع الاستدلال أربع خطوات: تفكيك مفاهيمي للفارق الجوهري بين “المذهب” و”المنهج”، تبرير فلسفي لضرورة القطيعة لا الإصلاح، رسم ملامح “اقتصاد المناهج” بوصفه الأفق العملي لهذه القطيعة، ثم مساءلة نقدية لمخاطر هذا التحول ذاته.
أولاً: من “المذهب” إلى “المنهج” – تفكيك مفاهيمي
- المذهب: نسق مغلق يبدأ من الجواب
يتسم “المذهب” الاقتصادي، بصرف النظر عن مضمونه المحدد، ببنية معرفية ثابتة: إنه نسق يبدأ من إجابة مسبقة عن الأسئلة الجوهرية المتعلقة بطبيعة الملكية، ووظيفة الدولة، وآلية التوزيع، ثم يُعيد إسقاط هذه الإجابة على كل مشكلة اقتصادية جديدة تطرأ. الرأسمالية تبدأ بافتراض أن الملكية الخاصة والسوق الحر هما الآلية المثلى، والاشتراكية تبدأ بافتراض معاكس تمامًا حول الملكية الجماعية، لكن كلا المذهبين يشتركان، رغم تعارض إجاباتهما، في بنية استدلالية واحدة: الانطلاق من جواب شامل مسبق، ثم البحث عن كيفية تطبيقه على الواقع المتغير. هذا ما وصفه الجزء الأول من هذا المشروع بـ”الافتراض الإبستيمولوجي المشترك” بين المذاهب الثلاثة: وجود إطار نظري شامل قابل للتطبيق المسبق على أي إشكالية اقتصادية، بصرف النظر عن خصوصية سياقها.
- المنهج: أداة استقصاء تبدأ من السؤال
يختلف “المنهج” عن “المذهب” اختلافًا بنيويًا لا درجيًا فحسب. فالمنهج ليس إجابة، بل مجموعة أدوات استقصاء وتخطئة(mécanismesd’investigation et de réfutation)توظَّف لمقاربة مشكلة محددة دون التزام مسبق بنتيجة بعينها. حين يتبنى صانع القرار منهجًا لا مذهبًا، فإنه لا يسأل “أي إجابة نظرية تناسب هذا الموقف؟”، بل يسأل “أي أداة استقصائية، من بين ترسانة متعددة ومتنوعة المصادر، تسمح بفهم هذا الموقف المحدد واختبار الحلول الممكنة له تجريبيًا؟” هذا الفارق ليس دلاليًا فحسب، بل يحمل استلزامًا معرفيًا حاسمًا: المنهج، بخلاف المذهب، لا يملك موقفًا مسبقًا حول الملكية أو دور الدولة؛ فهذه الأسئلة تصبح، في إطار “اقتصاد المناهج”، أسئلة تجريبية تُحسم حالة بحالة، لا مسلّمات إيديولوجية تُفرض سلفًا على كل حالة.
- ثلاث مرجعيات فلسفية لفهم طبيعة هذا الانتقال
يستدعي هذا التمييز المفاهيمي الاستعانة بثلاث لحظات محورية في فلسفة العلوم المعاصرة، توضح كل منها بُعدًا مختلفًا من ضرورة الانتقال من نمط “المذهب” إلى نمط “المنهج”.
غاستونباشلار والعائق الإبستيمولوجي: يرى باشلار أن تقدم المعرفة العلمية لا يحدث بالتراكم الهادئ داخل إطار نظري قائم، بل بالانفصال عن “العوائق الإبستيمولوجية–obstacles épistémologiques”، أي مجموعة التصورات المسبقة والمألوفة التي تمنع العقل من إدراك الظاهرة الجديدة بموضوعية، لأنها تُسقِط عليها فئات فكرية صيغت لسياق مغاير. المذهب الاقتصادي، بهذا المعنى، ليس مجرد نظرية قابلة للتعديل، بل عائق إبستيمولوجي فعلي حين يُطبَّق على واقع الذكاء الاصطناعي: فهو يُسقِط على هذا الواقع فئات فكرية (الملكية الفردية أو الجماعية، السوق أو التخطيط) صيغت لسياق صناعي مختلف جذريًا في إيقاعه وبنيته.
كارل بوبر ومعيار قابلية التكذيب: يؤسس بوبر التمييز بين المعرفة العلمية والمعرفة العقائدية على معيار واحد: قابلية الفرضية للتكذيب التجريبي. النظرية التي تُصاغ بطريقة تجعلها متوافقة مع أي نتيجة ممكنة، أيًا كانت، لا تحمل قيمة معرفية حقيقية، لأنها محصّنة بنيويًا ضد أي دحض. المذاهب الاقتصادية الكبرى، حين تُفسّر كل فشل تطبيقي بأنه “لم يكن تطبيقًا حقيقيًا للمذهب” بدل اعتباره دحضًا للمذهب ذاته، تقترب خطرًا من هذا النمط اللاعلمي في التحصين الذاتي ضد التكذيب.
توماس كون وأزمة النموذج الإرشادي: يصف كون التقدم العلمي بأنه لا يحدث تراكميًا وتدريجيًا، بل عبر “ثورات علمية” تُستبدَل فيها “النماذج الإرشادية–paradigms”القائمة بنماذج جديدة كليًا، حين تتراكم “الشذوذات–anomalies”، أي الظواهر التي يعجز النموذج القائم عن تفسيرها، إلى حد يتجاوز طاقة النموذج على استيعابها بالترقيع الجزئي. اقتصاد الذكاء الاصطناعي، بما يطرحه من ظواهر غير مسبوقة (تركز احتكاري ناتج عن العوائد المتزايدة للحجم، فاعلون اقتصاديون عابرون للحدود، تأخر تنظيمي بنيوي)، يمثل بالضبط هذا التراكم من “الشذوذات” الذي يستوجب، وفق منطق كون، ثورة نموذجية لا ترميمًا تدريجيًا.
ثانيًا: لماذا قطيعة لا إصلاح؟
- حدود الإصلاح الداخلي: حين يبقى الأساس الإبستيمولوجي سليمًا
يكمن الخلل الجوهري في أي محاولة “إصلاح داخلي” للمذاهب القائمة (إدخال جرعة براغماتية إلى الرأسمالية، أو تحرير جزئي للاشتراكية) في أنها تُبقي الأساس الإبستيمولوجي للمذهب سليمًا دون مساس: أي فكرة أن هناك إجابة نظرية شاملة صحيحة يمكن الدفاع عنها والتمسك بها، مع مجرد تعديل هامش تطبيقها. هذا النوع من الإصلاح، مهما بلغت مرونته الظاهرية، يظل أسير البنية الاستدلالية ذاتها التي شخّصها الجزء الأول بوصفها القصور المشترك بين المذاهب الثلاثة: الانطلاق من جواب مسبق. بعبارة باشلار، فإن العائق الإبستيمولوجي لا يُصلَح من الداخل، بل يُقاطَع منه بالكامل، لأن مشكلته ليست في تفاصيله القابلة للتعديل، بل في بنيته التصورية ذاتها التي تحول دون إدراك الظاهرة الجديدة بموضوعية.
- تراكم الشذوذات: حين يفوق الواقع طاقة الترميم الجزئي
يمكن تطبيق منطق كون مباشرة على ما استعرضه الجزء الأول من هذا المشروع: فالتمركز الاحتكاري الناتج عن العوائد المتزايدة للحجم، والتأخر التنظيمي البنيوي أمام إيقاع تقني يُقاس بالأشهر، وعجز الأدوات النيوليبرالية أمام فاعلين اقتصاديين عابرين للحدود الوطنية، ليست إشكاليات منفصلة يمكن معالجة كل منها بترميم جزئي مستقل داخل المذهب المعني. إنها، مجتمعة، تشكل تراكمًا من “الشذوذات” بالمعنى الكوني الدقيق: ظواهر يعجز النموذج الإرشادي القائم (أيًا كان المذهب) عن استيعابها ضمن فرضياته الأساسية، بصرف النظر عن مقدار المرونة التطبيقية المُضافة إليه. حين يبلغ التراكم هذا الحد، فإن الخيار الوحيد المتاح، وفق فلسفة العلوم ذاتها، هو الانتقال إلى نموذج إرشادي جديد كليًا، لا الاستمرار في ترميم النموذج القديم إلى ما لا نهاية.
- اختبار قابلية التكذيب: معيار حاسم للتمييز بين القطيعة والترميم
يوفر معيار بوبر أداة تشخيصية دقيقة للتمييز بين “الإصلاح الحقيقي” و”الترميم الوهمي”: هل يقبل المذهب المُصلَح أن يُكذَّب تجريبيًا فيما لو فشلت سياسة معينة، أم يُعيد تفسير الفشل دومًا بوصفه انحرافًا عن “التطبيق الصحيح” للمذهب؟ إذا كان الجواب هو الثاني، فإن ما يُسمّى “إصلاحًا” ليس سوى تحصين إضافي للمذهب ضد التكذيب، لا انفتاحًا حقيقيًا على المراجعة. المنهج، بخلاف ذلك، يجعل قابلية التكذيب شرطًا تأسيسيًا لا استثناءً: كل أداة مُختارة هي فرضية قابلة للدحض بالتجربة، لا عقيدة تُبرَّر بعد فشلها.
ثالثًا: ملامح “اقتصاد المناهج” العملية
- التعددية المنهجية: اختيار الأداة بمعيار المشكلة لا الهوية
يقوم “اقتصاد المناهج” على مبدأ تأسيسي واحد: اختيار الأداة التحليلية أو السياسية بناءً على ملاءمتها للمشكلة المحددة، لا بناءً على انتمائها الهوياتي لمذهب بعينه. هذا يعني عمليًا أن أداة تنظيمية “اشتراكية المنشأ تاريخيًا” (كالتأميم الجزئي لبنية تحتية حيوية) يمكن تبنيها في سياق محدد إلى جانب أداة “رأسمالية المنشأ” (كتحرير سوق تنافسي في قطاع آخر)، دون أن يُنظَر إلى هذا التزاوج بوصفه تناقضًا فلسفيًا يستوجب التبرير، بل بوصفه ممارسة طبيعية لمنطق منهجي يقيس كل أداة بنتيجتها لا بأصلها العقائدي.
- الانفتاح على مناهج من خارج الحقل الاقتصادي التقليدي
يستلزم اقتصاد المناهج، بحكم طبيعته الاستقصائية لا العقائدية، انفتاحًا منهجيًا على حقول معرفية لم تكن جزءًا تقليديًا من صندوق أدوات الاقتصاد الكلاسيكي: نظرية الألعاب لفهم التفاعلات الاستراتيجية بين الفاعلين الاقتصاديين الكبار في سوق الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد السلوكي لفهم انحرافات القرار الفردي عن النموذج العقلاني الخالص، وعلوم البيانات والتعلم الآلي ذاتها كأدوات تحليل اقتصادي كمي لا كموضوع دراسة فحسب. هذا الانفتاح ليس ترفًا منهجيًا، بل استلزامًا مباشرًا لمنطق المنهج ذاته: إذ ما دامت الأداة تُختار بمعيار فعاليتها الاستقصائية لا بمعيار انتمائها لحقل معرفي بعينه، فلا مبرر لحصر صندوق الأدوات داخل حدود الاقتصاد التقليدي.
- السياسة التكرارية: من خيار عملي إلى استلزام منهجي
طرح الجزء الأول من هذا المشروع بنية “السياسة التكرارية” (آليات رصد مستمرة، تشريعات مؤقتة قابلة للمراجعة، ثقافة تتقبل تصحيح المسار) بوصفها آلية تطبيق عملية للبراغماتية. يضيف هذا الجزء الثاني تبريرًا نظريًا أعمق لهذه البنية ذاتها: إنها ليست مجرد خيار سياسي مرن، بل استلزام منطقي مباشر لمعيار بوبر في قابلية التكذيب. فما دامت كل سياسة تُعامَل كفرضية استقصائية لا كتطبيق لمذهب، فإن قابليتها للمراجعة والتصحيح ليست ميزة إضافية تُختار، بل شرطًا تأسيسيًا لكونها معرفة منهجية أصلاً، لا عقيدة متنكرة في ثوب السياسة.
رابعًا: مساءلة نقدية – مخاطر اقتصاد المناهج
- إشكالية الانتقائية بلا معيار
يواجه اقتصاد المناهج نقدًا جديًا يستحق مساءلة صريحة: إذا كانت كل أداة تُختار بمعيار ملاءمتها للمشكلة، فما الذي يمنع هذا التعدد المنهجي من الانزلاق إلى انتقائية عشوائية (eclecticism)تفتقر لأي معيار متماسك لاختيار الأداة، فتصبح كل سياسة مجرد قرار مزاجي يُبرَّر لاحقًا بلغة “الملاءمة”؟ هذا النقد يستدعي مباشرة النقد المماثل الذي واجهه الجزء الأول بشأن خطر “الانزلاق نحو التبرير الانتهازي” في البراغماتية، ويستوجب الجواب ذاته الذي قُدِّم هناك: التماسك لا يتحقق بمعيار خارجي مُسقَط (المذهب)، بل بمعايير داخلية ثلاثة متكاملة، القابلية للتخطئة التجريبية (بوبر)، والشفافية في عملية صنع القرار، والالتزام المُعلَن بمنظومة قيم ثابتة (العدالة التوزيعية، المساءلة الجماعية) لا تتغير حتى وإن تغيرت الأدوات المُختارة لتحقيقها.
- إشكالية فقدان القدرة التفسيرية الشاملة
يُؤخَذ على اقتصاد المناهج أيضًا أنه يتخلى عن طموح تفسيري كان يوفره المذهب الشامل: القدرة على تقديم رؤية كلية متسقة للاقتصاد ككل، بدل مقاربة مشكلة بمشكلة. هذا النقد صحيح جزئيًا، لكنه يستند إلى مقارنة غير عادلة بين طموحين معرفيين مختلفين في طبيعتهما: الطموح الشمولي التفسيري الذي يميز المذهب، والطموح التشغيلي الاستقصائي الذي يميز المنهج. اقتصاد المناهج لا يدّعي تفسيرًا شاملاً نهائيًا للاقتصاد، بل يكتفي، بتواضع إبستيمولوجي متعمَّد، بفهم تشغيلي قابل للتصحيح لكل مشكلة على حدة، وهو تواضع يستمد شرعيته بالضبط من الإقرار الذي أسّسه الجزء الأول: غياب نظرية اقتصادية ناضجة قادرة على تفسير اقتصاد الذكاء الاصطناعي تفسيرًا كليًا في هذه المرحلة المبكرة من تطوره.
خاتمة
تخلص هذه الأطروحة إلى أن البراغماتية الاقتصادية، كما طُرحت في الجزء الأول من هذا المشروع، لا يمكن أن تكون مجرد توصية عملية بمزيد من المرونة داخل المذاهب القائمة، بل تستلزم منطقيًا قطيعة إبستيمولوجية بالمعنى الدقيق الذي أرسته فلسفة العلوم المعاصرة عند باشلار وبوبر وكون: انتقالاً من نمط معرفي يبدأ بجواب مسبق شامل (المذهب) إلى نمط معرفي يبدأ بسؤال محدد وأداة استقصاء قابلة للتخطئة (المنهج). هذه القطيعة ليست خيارًا إراديًا يمكن تفاديه بالترميم التدريجي، بل استلزام منطقي يفرضه تراكم الشذوذات التي يعجز أي مذهب قائم عن استيعابها ضمن فرضياته الأساسية.
اقتصاد المناهج، بهذا المعنى، هو الأساس النظري الذي يجعل البراغماتية الاقتصادية ممكنة بوصفها موقفًا معرفيًا متماسكًا لا مجرد شعار عملي فضفاض: فلا معنى لقياس السياسات بنتائجها القابلة للقياس، كما دعا الجزء الأول، ما لم تُقاطَع أولاً البنية الاستدلالية التي تجعل كل فشل تطبيقي قابلاً لإعادة التفسير بوصفه “انحرافًا عن المذهب الصحيح” بدل اعتباره دحضًا فعليًا يستوجب المراجعة. اقتصاد بلا عقيدة جامدة، كما خلص الجزء الأول، لا يكتمل معناه إلا باقتصاد بلا مذهب شامل أصلاً: هذه هي القطيعة الإبستيمولوجية التي يستوجبها الفكر الاقتصادي المعاصر في مواجهة ثورة الذكاء الاصطناعي، لا ترميمًا إضافيًا لصرح فكري تجاوزه الزمن، بل بناءً لصرح جديد كليًا على أنقاض العوائق الإبستيمولوجية التي طال أمدها.