سياسة وعلاقات دولية

مقارنة بين تجربة المغرب/الاتحاد الأوروبي وتجربةالمكسيك/الولايات المتحدة

يمثل المغرب، بحكم موقعه الجغرافي، إحدى أهم نقاط الالتقاء بين إفريقيا وأوروبا، وهو ما يجعله في مواجهة مباشرة مع ضغوط متزايدة مرتبطة بالهجرة غير النظامية، وتهريب المهاجرين، والجريمة العابرة للحدود، إلى جانب تحديات أمنية إقليمية أخرى.

لا يقتصر الدور المغربي على مراقبة الحدود ومنع محاولات العبور نحو أوروبا، بل يمتد إلى تفكيك شبكات تهريب المهاجرين، وإنقاذ الأرواح في البحر، وتقديم المساعدة الإنسانية للمهاجرين، والتنسيق الأمني مع الشركاء الأوروبيين. ففي سنتي 2024 و2025، أحبط المغرب نحو 160,000 محاولة للهجرة غير النظامية، منها 79,000 محاولة سنة 2024 و74,000 محاولة سنة 2025، كما فكك 632 شبكة للهجرة غير النظامية خلال الفترة نفسها، ونجح في تنفيذ أكثر من 32,000 عملية إنقاذ في البحر. وعلى مدى السنوات الخمس الماضية، تم إحباط أكثر من 360,000 محاولة للهجرة غير النظامية. وتبرز هذه المعطيات أن المغرب يتحمل مسؤولية ميدانية تتجاوز بكثير مجرد مراقبة حدوده.

المغرب/الاتحاد الأوروبي.
المكسيك/الولايات المتحدةالامريكية.

مسؤوليات مشتركة ودعم متفاوت

تُظهر المقارنة مع المكسيك، التي تمثل بدورها دولة عبور رئيسية نحو الولايات المتحدة، أهمية الموارد والدعم الدولي في إدارة هذا الملف. فالجهة الأمريكية الرئيسية المكلفة بحماية الحدود هي هيئة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية، وهي أكبر وكالة فدرالية مكلفة بإنفاذ القانون، ويُشار إلى جهاز حرس الحدود التابع لها بـ «دورية الحدود الأمريكية» (US Border Patrol)، وتعمل الولايات المتحدة كذلك على دعم القدرات المكسيكية في مجال مراقبة الهجرة. فبين 2015 و2023، قدمت وزارة الخارجية الأمريكية أكثر من 176.6 مليون دولار لدعم جهود المكسيك في مراقبة الهجرة، بما في ذلك معدات التفتيش والمركبات والفرق المتخصصة والتكوين، إضافة إلى أكثر من 163 مليون دولار بين 2018 و2023 عبر برامج المساعدة للاجئين والهجرة، لدعم اللجوء والمساعدة الإنسانية في المكسيك. وفي المقابل، خصص الاتحاد الأوروبي برنامجاً بقيمة 152 مليون يورو لدعم المغرب في مجال الهجرة، يشمل تدبير الحدود ومكافحة شبكات التهريب وحماية المهاجرين والعودة الطوعية وإعادة الإدماج. ورغم اختلاف طبيعة البرامج ومجالات صرفها، فإن هذه المعطيات تبرز حجم الدعم الدولي الموجه إلى دول العبور في مواجهة ظاهرة تتجاوز حدودها الوطنية.

دور مغربي في محيط إقليمي معقد،
تكتسي هذه الجهود أهمية خاصة في ظل تعدد التحديات الأمنية التي تواجه المملكة. فإلى جانب دوره في تدبير ملف الهجرة، يضطلع المغرب بمسؤوليات أمنية متواصلة لحماية حدوده الوطنية، بما في ذلك حدوده في الصحراء المغربية، في ظل استمرار الاستفزازات والأعمال العدائية التي تقوم بها جبهة البوليساريو، فضلاً عن التحديات الأمنية المرتبطة بالوضع الإقليمي في منطقة الساحل.
فقد سجل تقرير الأمين العام للأمم المتحدة للفترة الممتدة من سبتمبر 2024 إلى أغسطس 2025 استمرار الأعمال العدائية منخفضة الحدة في محيط الجدار، حيث أبلغت السلطات المغربية بعثة المينورسو عن 142 حادث إطلاق نار من مسافة بعيدة على وحداتها في منطقة الجدار أو بالقرب منه. ويبرز ذلك حجم المسؤوليات الأمنية التي يتحملها المغرب في محيط إقليمي حساس، بما يعزز أهمية دوره في استقرار المنطقة وأمن الفضاء المتوسطي.

وفي ما يتعلق بالتعاون المغربي الإسباني، فقد وصف وزير الداخلية الإسباني المغرب بأنه «الشريك الاستراتيجي الرئيسي لإسبانيا في المجال الأمني»، مشيدًا بالتزامه وجهوده في مواجهة الهجرة غير النظامية وشبكات الاتجار بالبشر، ومعتبرًا التعاون المغربي الإسباني نموذجًا متقدمًا للتعاون العملي بين أوروبا وإفريقيا. كما أكدت الحكومة الإسبانية لاحقًا أن تدخل الأجهزة الأمنية المغربية كان حاسمًا في إحباط محاولات الدخول الجماعي إلى سبتة ومليلية المحتلتين.

إن قضية الحدود والهجرة غير النظامية لا يمكن اختزالها في مسؤولية دولة واحدة. فالمشكلة ترتبط أساساً بشبكات تهريب والاتجار بالبشر تستغل أوضاعاً اقتصادية وإنسانية وأمنية معقدة، وتمتد عبر عدة دول وقارات.
ومن ثم، فإن مواجهتها تتطلب تعاوناً دولياً وتقاسماً للمسؤوليات والأعباء بين دول المنشأ والعبور والمقصد، إلى جانب دعم قدرات الدول التي توجد في الخطوط الأمامية، ومكافحة الشبكات الإجرامية، وتطوير مسارات قانونية وآمنة للهجرة .

اترك تعليقاً

إغلاق