سياسة وعلاقات دولية
الاضطراب الاجتماعي يثير المخاوف بشأن أوضاع الجالية المغربية في فرنسا

في سياق الاحتجاجات والتحركات الاجتماعية التي تشهدها فرنسا على خلفية مطالب مرتبطة بالقدرة الشرائية وظروف العمل ومستقبل الخدمات العمومية، تبرز التساؤلات بشأن انعكاسات هذا الاحتقان على الحياة اليومية للجالية المغربية المقيمة بهذا البلد، في ظل التحديات التي تواجه الأسر، ولا سيما في قطاع التعليم.
وشهدت العاصمة باريس ومعها عدة مدن فرنسية أمس السبت أعمال عنف خلفت توقيف أكثر من 1800 شخص وفق ما أورده وزير الداخلية الفرنسي لوران نوييز ، هذا فضلا عن أضرار مادية جسيمة وإصابات في صفوف المئات من أفراد الشرطة والمتظاهرين، في وقت تعهد فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بمعاقبة “كل مَن ارتكب أعمال تخريب”.
وفي هذا الإطار، أكدت منى بناني، رئيسة جمعية “ASLI” بباريس، أن المغاربة المقيمين بفرنسا يتقاسمون مع باقي مكونات المجتمع الفرنسي الانشغالات ذاتها، محذرة من اعتبار الجالية أكثر تضررا من غيرها في غياب معطيات موضوعية تثبت ذلك.
وأوضحت بناني، في تصريح ل”مدار21″، أن الحركات الاجتماعية التي تعرفها فرنسا تعكس انشغالات عميقة مرتبطة بالقدرة الشرائية وظروف العمل ومستقبل الخدمات العمومية، مشيرة إلى أن هذه التوترات تتجاوز المظاهرات لتسلط الضوء على الصعوبات التي يواجهها المجتمع الفرنسي، خاصة في مجال التعليم.
واستحضرت رئيسة جمعية ASLI معطيات المديرية المكلفة بالتقييم والاستشراف والأداء التابعة لوزارة التربية الوطنية الفرنسية، التي تفيد بأن 9.8 في المائة من ساعات التدريس لم يتم تأمينها في مؤسسات التعليم الإعدادي والثانوي العمومي خلال الموسم الدراسي 2024-2025، فيما تجاوزت هذه النسبة 15 في المائة في 10 في المائة من المؤسسات الأكثر تضررا.
وأضافت أن هذه “الاختلالات” تنعكس على الأسر من خلال الدروس غير المؤمنة واضطراب التنظيم اليومي، في سياق بلغ فيه معدل التضخم 3.1 في المائة خلال شهر شتنبر، وفق معطيات المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية (Insee).
واعتبرت المتحدثة ذاتها أن هذه المعطيات تبرز أهمية وضع التعليم وظروف التعلم ومستقبل الشباب في صدارة الانشغالات الوطنية للرأي العام الفرنسي،لافتة إلى أن أبناء الأسر المغربية يوجدون بدورهم ضمن فئة الشباب الذين يواجهون صعوبات النظام التعليمي، ويتقاسمون مع زملائهم الظروف نفسها والتطلعات ذاتها.
وشددت بناني على أن المغاربة المقيمين يشكلون جزءا من نسيج المجتمع الفرنسي، من خلال عملهم ومشاريعهم ودراستهم وتربية أبنائهم، فضلا عن مساهماتهم اليومية في الدينامية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للبلاد، مبرزة أن أن تشبث المغاربة بأصولهم وتراثهم وهويتهم المغربية ينسجم مع ارتباطهم بفرنسا ومؤسساتها وقيمها الجمهورية، وموردة أن أن هذا الانتماء المزدوج يشكل مصدر غنى ومسؤولية في الوقت نفسه، فضلا عن كونه رابطة مهمة بين المغرب وفرنسا.
وفي مقابل التعبير عن القلق إزاء تطورات الوضع الاجتماعي، أكدت رئيسة المواطنة المغربية المقيمة بفرنسا أنه من السابق لأوانه القول إن الجالية المغربية تتأثر بهذه الأوضاع أكثر من غيرها، ما دامت المعطيات الموضوعية الكفيلة بإثبات ذلك غير متوفرة، مبرزة أن فرنسا “دولة ديمقراطية” يحتل فيها الحق في الإضراب وحرية التظاهر مكانة أساسية، ومؤكدة على ضرورة احترام هذه الحريات بشكل كامل، دون أن يشكل ذلك مبررا لأعمال العنف أو تخريب الممتلكات العامة والخاصة أو الاعتداء على القوات المكلفة بإنفاذ القانون وأفراد خدمات الإغاثة.
وأكدت أن مثل هذه الأفعال تستوجب إدانة دون تحفظ، مبرزة أن مسؤولية العمل الجمعوي في هذا السياق تتمثل في إعطاء الأولوية للإصغاء والتفاهم المتبادل والحوار، بعيدا عن الانقسامات.
وخلصت منى بناني إلى أن المغاربة المقيمين بالخارج لهم مكانتهم في تعزيز هذه المقاربة، من خلال انخراطهم المواطن ومساهمتهم اليومية في المجتمع الفرنسي، مجددة التأكيد على أن قوة الديمقراطية تقاس بقدرتها على الإنصات إلى انشغالات المواطنين، وصون المؤسسات، وإيجاد السبل الكفيلة بتحقيق “تهدئة مستدامة” في إطار احترام الجميع.