سياسة وعلاقات دولية

من وسط الركام.. رياضيو غزة يستعيدون منافسات القوة البدنية ببطولة “سترونغ مان”

وسط ساحة رملية تحيط بها منازل دمرتها الحرب الإسرائيلية في حي الصبرة جنوبي مدينة غزة، تحدى رياضيون فلسطينيون آثار الدمار والمعاناة، مساء الجمعة، بالتنافس في أول بطولة للقوة البدنية والتحمل تقام بالقطاع منذ 3 سنوات.

البطولة التي حملت اسم “سترونغ مان فلسطين”، نظمها الاتحاد الفلسطيني للقوة البدنية للمرة الأولى في قطاع غزة، بعد سنوات من التأجيل، في مشهد عكس إصرار الرياضيين على استعادة أنشطتهم رغم الدمار الواسع الذي خلفته إسرائيل في المنشآت الرياضية.

وعلى وقع الأناشيد الوطنية وهتافات التشجيع، احتشد مئات الفلسطينيين من مختلف الأعمار لمتابعة منافسات رفع الأثقال والمشي بها، وسحب شاحنة ضخمة، ودفع إطارات كبيرة وتحريكها، وسط أجواء حماسية افتقدها سكان القطاع خلال سنوات الحرب.

ومن شرفات المنازل المتضررة وأسطحها، تابعت نساء وأطفال مجريات البطولة، فيما التف المشجعون حول المتنافسين، مشجعين إياهم على اجتياز اختبارات القوة والتحمل.

وبينما أحاطت آثار الدمار بساحة المنافسات، واصل الرياضيون استعراض قدراتهم البدنية، في محاولة لإعادة النشاط الرياضي إلى أحد الأحياء التي طالتها الحرب الإسرائيلية.

وتهدف البطولة، وفق القائمين عليها، إلى إحياء ألعاب القوة والتحمل وإتاحة الفرصة أمام الرياضيين للعودة إلى المنافسات وإظهار قدراتهم، رغم شح الإمكانيات وتدمير المنشآت الرياضية.

حلم يتحدى الدمار

وقال وليد عودة، عضو الاتحاد الفلسطيني لألعاب القوة البدنية وأحد مؤسسي البطولة، إن تنظيمها بعد ثلاث سنوات من الحرب والدمار جاء ثمرة جهود بذلها الرياضيون والمنظمون رغم الإمكانيات المحدودة.

وأضاف “عودة” للأناضول، على هامش البطولة: “الحمد لله، استطعنا اليوم، وبعد ثلاث سنوات من الحرب والدمار، أن ننظم بطولة سترونغ مان، وبأقل الإمكانيات”.

وأوضح أن فكرة تنظيم البطولة تعود إلى عام 2021، لكنها تأجلت مرات عدة بسبب معوقات مختلفة، قبل أن تحول الحرب الإسرائيلية دون إقامتها عام 2023.

وأشار إلى أن إقامة البطولة أخيرا تمثل تحقيقا لحلم طال انتظاره، ورسالة بأن الفلسطينيين قادرون على مواصلة حياتهم وممارسة أنشطتهم رغم الدمار والمعاناة.

وتابع: “اليوم نثبت للعالم أننا قادرون على أن نكون أقوياء حتى في ظل الظروف الصعبة”.

وأكد عودة أن القطاع الرياضي في غزة تعرض لدمار واسع خلال الحرب الإسرائيلية، غير أن جهود الرياضيين والمنظمين أسهمت في استئناف عدد من الأنشطة، سعيا لإعادة الحياة إلى الملاعب والفعاليات الرياضية.

ووفق مصادر رياضية رسمية، تسببت الحرب الإسرائيلية في مقتل 1014 من الرياضيين والشباب والكشافة، وتدمير أكثر من 265 منشأة رياضية كليا أو جزئيا، بينها ملاعب وقاعات رياضية ومقار للأندية والاتحادات.

منافسة رغم المعاناة

ومن بين المشاركين في البطولة، محمد دغمش (23 عاما)، الذي حصد المركز الثاني، معبرا عن سعادته بالعودة إلى المنافسات الرياضية رغم الظروف الصعبة التي يعيشها سكان القطاع.

وقال دغمش للأناضول إن البطولة أتاحت للرياضيين فرصة لإظهار قدراتهم والتنافس مجددا، كما منحت الجمهور أجواء رياضية افتقدها خلال سنوات الحرب.

وأضاف: “البطولة كانت ممتعة جدا ومشوقة، وفيها الحماس والتحدي، وهذه لعبة ضمن نطاق حياتنا اليومية، لا نكل ولا نمل من هذه التحديات والبطولات الجميلة والرائعة، التي تبث الحماس في أبناء شعبنا”.

ورغم سعادته بالمشاركة، شدد دغمش على أن إقامة بطولة رياضية لا تعني عودة الحياة إلى طبيعتها في غزة، في ظل استمرار المعاناة الإنسانية ونقص الاحتياجات الأساسية.

وقال: “نحن في غزة نمر بظروف صعبة جدا، من شح في المأكل والمأوى والمسكن، وتعرضنا لحرب إبادة غاشمة أحرقت الأخضر واليابس”.

وبينما اختبر الرياضيون قوتهم البدنية في ساحة المنافسة، بقيت آثار الحرب حاضرة في محيط البطولة وفي حياة المشاركين، الذين يحاولون استعادة جانب من أنشطتهم رغم الظروف المعيشية القاسية.

“غزة مصنع الأبطال”

وبين الحاضرين، وقف الشاب مهيب دغمش يتابع المنافسات ويشجع المشاركين، معتبرا أن تنظيم أول بطولة للقوة البدنية والتحمل في القطاع، وسط الدمار الذي خلفته الحرب، يمثل مناسبة تستحق الفخر.

وقال مهيب للأناضول: “جئنا اليوم لنشاهد منافسة في ألعاب القوة البدنية والتحمل لأول مرة في قطاع غزة، رغم الحرب والدمار المستمر لأكثر من ثلاث سنوات”.

وأضاف: “تستيقظ غزة من بين الركام والدمار لتنجب الأبطال. غزة مصنع الأبطال كانت وما زالت، ونحن كلنا نفتخر بأبطالنا”.

وأوضح مهيب أن حضوره جاء للاستمتاع بالمنافسات وتشجيع الرياضيين والمساهمة في خلق أجواء إيجابية، بعيدا عن مشاهد المعاناة التي طبعت حياة الفلسطينيين خلال الحرب.

وتابع: “ندعم بكل قوة كل بطل مشارك في هذه المنافسة. شعوري لا يوصف بهذا المنظر الجميل”.

وأضاف أن “تنظيم البطولة من وسط الركام، بعد سنوات من الحرب شيء يرفع الرأس ويدعو للفخر والتباهي”.

ومع انتهاء المنافسات، جرى تكريم الفائزين بالمراكز الأولى، بحضور شخصيات مجتمعية ووجهاء من العائلات والعشائر.

ورغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار منذ 10 أكتوبر 2025، لا تزال الخروقات الإسرائيلية متواصلة، وأسفرت حتى الخميس عن مقتل 1505 فلسطينيين وإصابة 5 آلاف و332 آخرين، وفق وزارة الصحة في قطاع غزة.

ومنذ أكتوبر 2023، ترتكب إسرائيل، بدعم أمريكي، إبادة جماعية في غزة، خلفت أكثر من 74 ألف قتيل وما يزيد على 175 ألف جريح فلسطيني، ودمارا طال 90 بالمئة من البنى التحتية.

وتمنع إسرائيل إدخال كميات كافية من المواد الغذائية والأدوية والمستلزمات الطبية ومواد الإيواء اللازمة للفلسطينيين المحاصرين.

اترك تعليقاً

إغلاق