سياسة وعلاقات دولية
حقوقيون يدعون إلى الإفراج عن المدونين وصناع المحتوى

دعا الوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان الحكومة المغربية الجديدة إلى اتخاذ تدابير من شأنها تعزيز الثقة والأمل، من خلال الإفراج عما تبقى من معتقلين على خلفية الاحتجاجات الاجتماعية، ومدونين وصناع المحتوى، مستحضرا في هذا السياق الروح التي أطرت تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة.
ووجهت الهيئة المدنية المستقلة مذكرة إلى فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المعينة، تتضمن مجموعة من المقترحات الرامية إلى تعزيز حقوق الإنسان باعتبارها سياسة عامة وناظمة لمختلف السياسات العمومية، معربة عن تطلعها إلى أن تجد هذه المقترحات امتدادا لها في البرنامج الحكومي المرتقب.
وسجل الوسيط، في بلاغ صادر بالرباط بتاريخ 12 أكتوبر الجاري، بإيجابية التطبيق السليم لمقتضيات الفصل 47 من الدستور، المتعلق بتعيين رئيس الحكومة، وما رافق ذلك من تنويه وإشادة، معتبرا أن المرحلة التي تسبق إعداد البرنامج الحكومي تشكل فرصة لاستحضار الالتزامات الحقوقية وتحديد أولويات العمل العمومي خلال الولاية الجديدة.
خمس فجوات في التنزيل
واستندت المذكرة إلى نتائج تقرير أنجزه الباحث والخبير يوسف أغويركات، بتكليف من الوسيط، لتقييم حصيلة العمل الحكومي في مجال حقوق الإنسان خلال الولاية الممتدة من 2021 إلى 2026، وشمل تقييم الالتزامات البرنامجية المرتبطة بهذا المجال والموزعة على 17 محورا.
وخلص التقرير إلى أن وتيرة إنجاز الالتزامات الحكومية تراوحت بين التحقق وعدم التحقق، والتحقق الجزئي وغير المكتمل، مسجلا أن المنجز على مستوى القوانين والمؤسسات والموارد والبرامج لم يتحول بالقدر المطلوب إلى استفادة فعلية ومنصفة، أو إلى تحسن ملموس ومستدام في جودة الخدمات والنتائج.
وفي هذا الصدد، شدد الوسيط على ضرورة الانتقال من تراكم النصوص القانونية والمؤسسات والبرامج والموارد إلى ضمان النفاذ الفعلي إلى الحقوق، وقياس أثر السياسات العمومية على حياة المواطنين، معتبرا أن التحدي لا يرتبط فقط بإقرار الحقوق وإحداث المؤسسات وتخصيص الاعتمادات، بل بمدى قدرة الأشخاص على ممارسة حقوقهم والاستفادة من الخدمات المرتبطة بها بإنصاف وجودة واستدامة.
وحدد الوسيط خمس فجوات أفقية تستدعي المعالجة، أولها الفجوة بين الإطار القانوني والتنفيذ، التي تتجلى في تأخر تفعيل بعض البرامج وتشغيل المرافق أو عدم استكمال شروط استمراريتها، وثانيها الفجوة بين التسجيل والاستفادة، إذ لا يضمن الانخراط في نظام أو برنامج بالضرورة الانتفاع المنتظم بالحقوق والخدمات.
وتتعلق الفجوة الثالثة بالعلاقة بين الموارد وجودة الخدمات، بالنظر إلى أن زيادة الاعتمادات وتوسيع البنيات لا يؤديان بالضرورة إلى تجاوز الخصاص في الموارد البشرية وسوء توزيعها وصعوبات الولوج إلى الخدمات. أما الرابعة فتهم التفاوتات الاجتماعية والمجالية، التي تجعل تحسن المؤشرات الوطنية غير كاف لضمان استفادة الفئات والمناطق الهشة بالقدر نفسه.
وتتصل الفجوة الخامسة بضعف الالتقائية ومحدودية البيانات، في ظل توزيع المسؤوليات بين القطاعات والمستويات الترابية، مع محدودية المعطيات المتعلقة بالنتائج وجودة الخدمات والاستفادة الفعلية والأثر.
الحماية الاجتماعية في صلب الانتظارات
وبناء على هذه الاختلالات، دعا الوسيط إلى نقل مركز التتبع من المقاربة الكمية القائمة على البرامج والتدابير والأرقام إلى القياس الكيفي لمدى إعمال الحقوق، مع التركيز على ستة مجالات أساسية تتصل بالحماية الاجتماعية والصحة والتعليم والتكوين وحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة والتشغيل والحقوق المهنية والخدمات الإدارية والرقمية.
وفي مجال الحماية الاجتماعية، شددت المذكرة على ضرورة قياس الانتقال من التسجيل إلى فتح الحقوق، ومن فتحها إلى الانتفاع المنتظم والكافي، مع رصد الفئات التي ما تزال خارج التغطية أو الدعم، وتحديد أسباب عدم استفادتها أو انقطاعها عن الخدمات.
أما في قطاع الصحة، فدعت إلى ربط تأهيل المرافق بتوفير الأطر والتجهيزات والصيانة ومواعيد العلاج، وقياس الولوج إلى الخدمات وجودتها واستمراريتها والتكاليف التي يتحملها المرتفقون، مع توجيه الموارد نحو المناطق الأكثر خصاصا.
وبخصوص التعليم والتكوين، أكدت المذكرة أهمية قياس الاستمرار في الدراسة والتعلم وجودة التعليم والإنصاف، إلى جانب تتبع عدد المؤسسات والمقاعد والتدابير المتخذة، ومعالجة الاكتظاظ ونقص التأطير والفوارق المجالية.
كما دعت إلى جعل الولوجيات والنقل والخدمات الدامجة شروطا أساسية لضمان حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة في التعليم والعمل والصحة والإدارة والثقافة، مع تتبع التغطية الترابية ومدى إمكان الانتفاع الفعلي بهذه الخدمات.
وفي ما يتعلق بالتشغيل والحقوق المهنية، شددت الهيئة على ضرورة اعتماد مؤشرات تقيس الاستقرار المهني وجودة العمل والحماية الاجتماعية وإمكانية الوصول إلى فرص الشغل، بما يشمل تقييم المستفيدين من برامج التكوين والتشغيل وفق معايير العمل اللائق.
وامتدت المقترحات إلى الخدمات الإدارية والرقمية، من خلال الدعوة إلى قياس جودة الخدمات واكتمالها وتيسير الولوج إليها، وحماية المعطيات الشخصية، وتوفير المساعدة والقنوات غير الرقمية للأشخاص الذين يحتاجون إليها.
ربط الميزانية بالإنصاف
وعلى مستوى صناعة القرار، اقترح الوسيط إدماج تقييم الأثر الحقوقي في إعداد التشريعات والبرامج الكبرى، من خلال فحص آثارها على المساواة وعدم التمييز والولوج إلى الخدمات وحماية الفئات المعنية، إلى جانب افتحاص النتائج بعد التنفيذ وفق المعايير نفسها.
كما دعا إلى ربط الميزانية والبيانات بمبدأ الإنصاف، عبر نشر معطيات قابلة للمقارنة ومفصلة بحسب الجهات والوسط والجنس والعمر والإعاقة والوضع الاجتماعي، مع الإعلان عن غياب خط الأساس أو تعذر القياس، وتحديد مهلة لسد النقص، في أفق إرساء ميزانية مستجيبة لحقوق الإنسان تستند إلى مؤشرات قابلة للقياس.
وشددت المذكرة كذلك على ضرورة استباق التحولات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والرقمية، وتعزيز التفكير التوقعي في ملفات الماء والبيئة والتفاوتات المجالية وحماية المعطيات، مع ضمان ألا تؤدي الحلول التقنية أو الاقتصادية إلى إقصاء فئات أو مناطق أو تقييد الولوج إلى الخدمات.
وفي السياق ذاته، دعت الهيئة إلى انتظام الوفاء بالالتزامات الحقوقية المترتبة عن الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب، من خلال برمجة واضحة لمتابعة تنفيذ توصيات الآليات الأممية لحقوق الإنسان، واستكمال ورش ملاءمة التشريعات الوطنية مع هذه الالتزامات.
إخراج مدونة الأسرة
وتضمنت المذكرة مقترحات تتعلق باستكمال البناء المؤسساتي وفق أحكام الدستور، من خلال معالجة الوضعية غير العادية لبعض المؤسسات القائمة، وتسريع تنصيب المؤسسات التي لم تدخل حيز التفعيل، إلى جانب اعتماد خطة وطنية للديمقراطية وحقوق الإنسان تتوافق مع المعايير الواردة في إعلان ومبادئ فيينا الصادرين عن مؤتمر الأمم المتحدة لحقوق الإنسان سنة 1993.
واقترح الوسيط أن تحدد هذه الخطة الأولويات والنتائج والجهات المسؤولة والموارد والآجال، وأن تربط الالتزامات الدستورية بالسياسات القطاعية والترابية، بما يجعلها أداة للتنسيق والتنفيذ والمساءلة.
كما دعا إلى وضع إطار تشريعي للتشاور العمومي يحدد حقوق والتزامات السلطات العمومية ومنظمات المجتمع المدني ومختلف أصحاب المصلحة، ومراجعة المقتضيات القانونية المتعلقة بالحريات العامة، ولا سيما الجمعيات والتجمعات العمومية والصحافة، في اتجاه إلغاء العقوبات السالبة للحرية، وتكريس الطابع التصريحي في إقرار الأهلية القانونية للجمعيات، ووضع حد للتجاوزات التي تمس بهذه الحقوق.
وشملت المقترحات أيضا تسريع تعزيز الطابع الرسمي للغة والثقافة الأمازيغية، والتعجيل بإخراج مدونة الأسرة بما يواكب التحولات الاجتماعية والمجتمعية ويحقق العدل والمساواة والإنصاف، فضلا عن مراجعة التشريع الجنائي بما يتلاءم مع الاتفاقيات الدولية ذات الصلة وتوصيات هيئة الإنصاف والمصالحة.
ودعت الهيئة إلى اعتماد سياسة دامجة للفئات الهشة والأكثر عرضة للانتهاكات والتمييز، بما يشمل الأطفال والأشخاص في وضعية إعاقة والمسنين والمهاجرين واللاجئين، مع تعزيز الاهتمام بالأجيال الجديدة من حقوق الإنسان، خصوصا الحقوق البيئية والعدالة المناخية والحقوق الرقمية والأخلاقيات البيوطبية.
كما شددت على ضرورة التعاطي مع قضايا الفساد والرشوة والاحتكار من منظور حقوق الإنسان، باعتبارها ممارسات تمس حقوق المواطنات والمواطنين وتقوض مسارات بناء الديمقراطية ودولة الحق والقانون.
وفي ختام المذكرة، أعرب الوسيط عن تطلعه إلى أن تحدث الحكومة الجديدة تغييرا في علاقتها بالمؤسسات الدستورية، من خلال استحضار الأهداف الدستورية وتفعيلها، وتحقيق التوازن والتعاون والتفاعل الإيجابي مع التوصيات الصادرة عن هذه المؤسسات، مع العمل على التفعيل الأمثل لمقتضيات الفصل 160 من الدستور.
وأرفقت الهيئة مذكرتها بتقرير مفصل حول حصيلة الحكومة السابقة في مجال حقوق الإنسان خلال الفترة الممتدة من 2021 إلى 2026، يتضمن تقييما لتعهداتها وبرامجها وفق منهجية علمية، إلى جانب توصيات وتدابير قابلة للشروع في تنفيذها خلال المئة يوم الأولى من عمر الحكومة الجديدة.
وأعلنت الهيئة عزمها تتبع هذه التدابير ورصدها وتقييمها، تمهيدا لإصدار تقرير بشأن مدى تفعيلها، بما يتيح قياس مدى ارتباط الفعل العمومي بمرجعية حقوق الإنسان، سواء على مستوى التشريع أو السياسات العمومية والقطاعية.