سياسة وعلاقات دولية
تأمين السيارات.. ما سر تطابق الأسعار بين الشركات في سوق “حرة”؟

يعد قطاع التأمين، ولاسيما تأمين السيارات والدراجات النارية، واحداً من القطاعات التي تجسّد اختلالات المنافسة بالمغرب، فمن حيث المبدأ، يتوفر القطاع على جميع الشروط اللازمة لكي تعمل المنافسة وتُحدَّد الأسعار بشكل حر؛ عدد كبير من شركات التأمين وسوق خاضعة لقانون حرية الأسعار والمنافسة، ومع ذلك، تكاد الأسعار المعتمدة تكون متطابقة بين جميع الفاعلين.
وفي هذا السياق، اعتبر رئيس مجلس المنافسة، أحمد رحو، أن هذا الوضع تاريخي وليس طبيعيًا؛ “كتبنا ذلك بالفعل في تقرير صدر قبل ثلاث سنوات، ومنذ ذلك الحين ونحن نضغط من أجل تغييره. ونحن بصدد تحقيق تقدم في هذا الاتجاه”.
وأضاف المسؤول، خلال لقاء من تنظيم مؤسسة “ميديا 24” الفرنكفونية، الخميس بالدار البيضاء، أن المجلس طالب برفع بعض القيود التنظيمية، ذلك أن تمييز التعريفات في التأمين على السيارات مقيّد بموجب القانون، وتحديدًا بمقتضيات القسم الرابع من مدونة التأمينات الذي يجري تعديله حاليًا. “لذلك طالبنا بتوسيع معايير التسعير حتى تكون هناك منافسة حقيقية في هذا المجال”.
وبخصوص حيثيات هذا الوضع، أوضح رحو أنه “عندما يكون لدينا قطاع لا يميز بشكل كاف بين السائقين الجيدين والسيئين، أو بين المناطق التي تشهد حوادث كثيرة وتلك التي تعرف حوادث أقل، فإن الأقساط تُحدد على أساس إحصائي، ويتم اللجوء إلى المتوسطات، لينتهي الأمر بوضع تعريفة تكاد تكون موحدة للجميع لأنها تستهدف السوق نفسها. فلا توجد شركة تستقطب السائقين الجيدين وأخرى تستقطب السائقين الأكثر خطورة”.
وأضاف أن “هناك أيضًا دور الوسطاء، فنحن نرى أن هذا السوق يتحمل تكاليف مرتبطة بعدم أداء بعض الوسطاء لأقساط التأمين المستحقة، وهي تكاليف يتحملها المستهلك النهائي في النهاية. كما توجد تكاليف ناجمة عن الغش في التأمين، وأخرى مرتبطة بحجم الحوادث والتعويضات”.
ولفت إلى أنه قبل وقت ليس ببعيد، وخلال نقاش مع مهنيي القطاع، “أشرنا إلى أن المغرب يسجل للأسف آلاف الوفيات سنويًا بسبب حوادث السير. وهذا هو الجانب الأكثر مأساوية والأكثر أهمية بطبيعة الحال، لكنه يكلّف شركات التأمين أيضًا مبالغ كبيرة. وإذا أردنا خفض كلفة التأمين، فعلينا، خدمةً للمصلحة العامة، أن نعمل على تقليص عدد الوفيات والحوادث”.
وأوضح رحو أنه من الضروري السير على خطى دول أخرى تعاملت بجدية مع مشكلة السلامة الطرقية، بأن تقوم شركات التأمين نفسها بدراسة المناطق الأكثر عرضة للحوادث، بل وحتى المساهمة أحيانًا في تمويل أشغال البنية التحتية الطرقية عند الحاجة؛ “لأن الجميع سيكون رابحًا في نهاية المطاف، وأول المستفيدين هم ضحايا هذه الحوادث من خلال تحسين مستوى الحماية والسلامة”.
وخلص المتحدث ذاته إلى أن التفكير في الموضوع يتجاوز بكثير مسألة التسعير؛ “لأن الأسعار الحالية هي نتيجة لكل هذه العوامل، فكلما ارتفع عدد الحوادث والضحايا، ارتفعت التعويضات المدفوعة، وبالتالي أصبحت الأقساط أكثر كلفة. وبما أن معايير التمييز بين المؤمن لهم لا تزال محدودة، فإن النتيجة هي تقارب الأسعار لدى جميع الشركات”.
وأكد أنه ينبغي العمل على خفض كلفة الحوادث، ومحاربة الغش، وتحسين تحصيل الأقساط؛ و”قد قدمنا مجموعة واسعة من التوصيات في تقاريرنا، وهي توصيات تعمل هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي على الاستفادة منها وإغنائها باقتراحاتها الخاصة من أجل تطوير هذا القطاع”.
هذا المثال، وفقا لرحو، يُجسد منهجية عمل المجلس؛ “فعندما نعتبر أن المنافسة غير كافية في بعض القطاعات، فإن اللجوء إلى العقوبات لا يكون دائمًا الحل الأنسب، لأن فرض العقوبات قد لا يغير شيئًا في الواقع. الأهم هو فهم الأسباب الكامنة وراء الوضع القائم”.