سياسة وعلاقات دولية
عروض نوستالجيا بين انتقادات المردودية ودفاع عن إشعاعه الثقافي

تزامنا مع انطلاق جولة جديدة من عروض برنامج “نوستالجيا” بمدينة الرباط، بعد تقديم عشرات العروض في عدد من المدن المغربية، يتواصل الجدل بشأن حصيلة هذا المشروع الثقافي، ومدى نجاحه في تحقيق الإشعاع الجماهيري الذي كان منتظرا منه، بالنظر إلى حجم الميزانية التي رُصدت له.
وكان البرلماني عبد الصمد حيكر، عضو فريق العدالة والتنمية، فتح النقاش في هذا الملف، منتقدا البرنامج واعتبر أنه استهلك اعتمادات مالية مهمة من المال العام دون أن يحقق، بحسب تقديره، مردودية تتناسب مع حجم الإنفاق، إلى جانب مطالبته بالكشف عن هوية الشركة التي تشرفت على تنفيذ المشروع، والمعايير التي اعتمدت في اختيارها، متسائلا عما إذا كانت الصفقة قد خضعت لمبدأ المنافسة والشفافية أم تم إسنادها بطريقة مباشرة.
ويرى منتقدو البرنامج أن حجم التفاعل الذي حظيت به عروض “نوستالجيا” ظل، في نظرهم، دون مستوى التطلعات، سواء من حيث الحضور الجماهيري أو الأثر الثقافي والإعلامي، مقارنة بالإمكانات المالية التي خُصصت له، معتبرين أن تقييم أي مشروع ممول من المال العام ينبغي أن يستند إلى مؤشرات واضحة، من بينها نسب الإقبال، وانتشار العروض، ومدى وصولها إلى مختلف فئات الجمهور.
ويزداد هذا الجدل بالنظر إلى أن الأعمال المستلهمة من التاريخ والتراث المغربي تحظى، في العادة، باهتمام واسع لدى الجمهور، سواء في المسرح أو التلفزيون أو السينما، ما دفع بعض المتابعين إلى التساؤل عن الأسباب التي حالت، وفق رأيهم، دون تحقيق “نوستالجيا” للإشعاع المنتظر، وعما إذا كان يرتبط الأمر بطبيعة الرؤية الفنية، أم بخيارات التواصل والتسويق، أم بآليات تنزيل المشروع على أرض الواقع.
وفي المقابل، يرى متابعون أن الحكم النهائي على البرنامج يقتضي الاستناد إلى معطيات رسمية دقيقة، تشمل عدد العروض المنظمة، وحجم الحضور، والكلفة الإجمالية، ومؤشرات الأثر الثقافي، بما يسمح بإجراء تقييم موضوعي يوازن بين حجم الاستثمار العمومي والنتائج المحققة.
في المقابل، دافع خالد التوزاني، الأستاذ الجامعي ورئيس المركز المغربي للاستثمار الثقافي، عن برنامج “نوستالجيا”، رافضا وصف إشعاعه بالمحدود، معتبرا أن هذا التقييم لا يستند إلى معطيات دقيقة، بل إلى انطباعات آنية تغفل الأهداف الاستراتيجية للمبادرة، المتمثلة في حماية الموروث الثقافي الوطني وتثمينه، وترسيخ الهوية الوطنية، وتعزيز القوة الناعمة للمغرب.
وفي تصريح لجريدة “مدار21″، يقول التوزاني إن وصف عروض “نوستالجيا” بمحدودية الإشعاع الجماهيري والإعلامي، يستند إلى انطباع غير مدعوم بمعطيات دقيقة، ولا يعكس حقيقة الواقع، حيث إن هذه العروض تقام تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس، لحماية الموروث الثقافي الوطني وتثمينه، وتعرف مشاركة أغلب الفنانين المغاربة، وتنظم في موقع استراتيجي، موقع شالة يعد أحد رموز التاريخ المغربي.
ويشير إلى أن الحديث عن محدودية تأثير أي نشاط ثقافي في المغرب، وخاصة تلك التي تندرج في سياق الحفاظ على الهوية وتعزيزها، هو حديث غير دقيق، لأن الرؤية المغربية للتراث لا تقوم على استهلاك لحظي أو جماهيرية سطحية، بل على استراتيجية متكاملة وشاملة ومستديمة، تهدف إلى تحويل التراث إلى رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وجسر للحوار بين الثقافات، وركيزة للقوة الناعمة للمملكة على المستوى الدولي.
ويؤكد أن الإشعاع الذي تحققه العروض التراثية، كعروض “نوستالجيا”، يقتضي الانتباه إلى جملة من المؤشرات، ومنها التركيز على الأثر المتوسط والبعيد المدى، لأن النجاح الحقيقي لهذه العروض يتجلى في الإشعاع النوعي الذي تحققه، والذي يقاس بعمق الأثر لا بحجم التفاعل الآني، إذ تسهم في نظره في تعميق الوعي بالهوية، وتوثيق التراث، وتحفيز النخب الفنية والمبدعين على الابتكار انطلاقاً من الأصالة، وأن نجاحها يتجلى في قدرتها على ترسيخ الموروث في الذاكرة الجمعية وضمان استمراره وتجدده عبر الأجيال، وهذا أسمى أنواع النجاح وأبقاها أثرا.
ومن مؤشرات هذا النجاح أيضا، يضيف التوزاني أن هذه العروض تأتي في سياق دولي معقد، تزايدت فيه محاولات نسب الموروث الثقافي المغربي لدول أخرى، كما حدث مع القفطان والزليج والعمارة المغربية، مضيفا أن “هنا يبرز النجاح الاستراتيجي للمغرب في التوجه نحو التحصين القانوني للتراث عبر مشاريع قوانين مبتكرة ووضع “علامة المغرب” كمرجعية دولية لحماية هذه الملكيات الثقافية، وهذا الجهد المؤسسي والقانوني، وإن لم يكن مرئياً في الإعلام، يمثل إشعاعاً حضارياً وقوة ناعمة تعزز مكانة المغرب كدولة رائدة في حماية تراثها وهويتها”.
ويوضح بخصوص “تحقيق التوازن بين الأصالة والتجديد، الذي هو أساس نجاح هذه العروض واستمراريتها، أن المملكة المغربية تتبنى نهجا واضحا يقوم على استثمار الأصالة كمنطلق للتجديد، حيث تجعل من عروض “نوستالجيا” حلقة وصل بين الأجيال المختلفة، وتحافظ على سلسلة نقل المعارف والمهارات التراثية في وقت تواجه فيه جميع الدول تحديات الانقطاع الثقافي، إضافة إلى تعزيز الوعي الجمعي، بأهمية المخزون الثقافي المغربي، وتطوير قطاع الصناعة التقليدية”.
ويشدد على أن التجديد يبدو واضحا من خلال توظيف الوسائط المعاصرة، وحضور وسائل الإعلام والصناعات الثقافية والإبداعية في إعادة تقديم التراث بلغة عصرية وجذابة، مضيفا أن “الاستثمار في التكنولوجيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، وتكوين ناشطين على منصات التواصل الاجتماعي لنشر محتوى رقمي مبتكر للتعريف بالتراث، هو ما يجعل التجديد قوالب تقديمية متطورة، دون المساس بجوهر التراث وأصالته، وهو ما تعمل عليه وزارة الثقافة وشركائها ضمن رؤية ترى التراث المغربي ركيزة للهوية ورافعة للتنمية”.
وأكد أن النشاط الثقافي المرتبط بالتراث في المغرب يُعد استثمارا استراتيجيا طويل الأمد في الهوية الوطنية، إذ يحظى بمتابعة واهتمام على أعلى المستويات، في إطار العناية الملكية السامية بهذا الموروث الحضاري، مشددا على أن الحديث عن “محدودية الإشعاع” أو الحكم على مبادرات نوعية كعروض “نوستالجيا” بأنها لم تحقق أهدافها، هو حكم ينطلق من معايير كمية آنية، ولا يستند إلى رؤية موضوعية شاملة، بل يتجاهل السياق الاستراتيجي والمؤسساتي الكبير الذي تندرج فيه هذه المبادرات، والذي يقيس النجاح بالأثر النوعي والعمق الحضاري وليس فقط بحجم التفاعل الجماهيري اللحظي.
في المقابل، أقر بوجود تحديات مطروحة في مجال تدبير التراث وتحويله إلى ثروة اقتصادية وثقافية ملموسة، مشيرا إلى أن هناك نقاشات مستمرة وبناءة حول أفضل السبل لتطوير هذا القطاع الحيوي، لكنها جزء من دينامية إيجابية وطموحة تعكس حرص المملكة على التطوير والتجديد دون المساس بالثوابت.
وقال في ختام تصريحه، إن عروض مثل “نوستالجيا”، تشكل حلقات جوهرية ضمن سلسلة متصلة ومتكاملة من الجهود الوطنية الرامية إلى حفظ الذاكرة الجماعية للمغرب، وصون هويته الحضارية، وتعزيز اعتزاز الأجيال الصاعدة بتراثها، مشيرا إلى أن هذه الرؤية تأتي في إطار توجه ملكي سامي يضع التراث المغربي بكل تنوعه وغنائه كركيزة أساسية لمستقبل المملكة، وكأداة فعالة للقوة الناعمة وللإشعاع الثقافي للمغرب في محيطه الإقليمي والدولي.