سياسة وعلاقات دولية

كيف توظف الأخبار المضللة لاستهداف الشراكة المغربية الإسبانية؟

في كل محطة تشهد تطوراً قانونياً أو سياسياً يتعلق بملف الهجرة غير النظامية، تظهر على منصات التواصل الاجتماعي حسابات وصفحات مجهولة المصدر تسارع إلى اجتزاء الوقائع وتحريف مضامينها، في محاولة لإثارة البلبلة والتأثير على الرأي العام. ولم يشذ الحكم الصادر عن المحكمة العليا الإسبانية بتاريخ 8 يوليوز 2026 عن هذه القاعدة، إذ تحول، في ظرف وجيز، إلى مادة خام لحملة تضليل رقمية استهدفت تشويه مضمونه الحقيقي وإيهام آلاف الشباب بأن الطريق نحو أوروبا أصبح مفتوحاً.

فالحكم القضائي لم يمنح أي حق تلقائي في الإقامة أو الاستقرار داخل إسبانيا، ولم يعلن فتح الحدود أمام المهاجرين غير النظاميين، بل اقتصر على تفسير قانوني يفرض إخضاع الأشخاص الذين يصلون بحراً إلى مسطرة إدارية فردية قبل اتخاذ قرار بشأنهم. غير أن هذا المعطى القانوني تعرض لتحريف متعمد، بعدما روجت حسابات مجهولة الهوية، عبر “تيك توك” و”واتساب” و”فيسبوك”، لرواية مغايرة تماماً، مفادها أن الوصول سباحة يكفل البقاء داخل التراب الإسباني.

ويثير توقيت هذه الحملة وطريقة انتشارها تساؤلات مشروعة حول الجهات التي تقف وراءها، خاصة أنها اعتمدت خطاباً موحداً ورسائل متطابقة وانتشاراً متزامناً عبر عشرات الحسابات غير المعروفة، وهو نمط بات يميز الحملات الرقمية المنسقة التي تستهدف التأثير في الرأي العام أكثر من نقل المعلومات. كما أن اعتماد حسابات مجهولة الهوية يحول دون التحقق من مصداقية مصادرها أو الجهات التي تديرها، ويجعلها بيئة خصبة لنشر الأخبار الزائفة والتلاعب بالوقائع.

ولا يمكن فصل هذه الحملات عن السياق الإقليمي الذي أصبحت فيه الهجرة غير النظامية ورقة تستغلها بعض الأطراف للإساءة إلى صورة التعاون القائم بين المغرب وشركائه الأوروبيين، وفي مقدمتهم إسبانيا. فمن خلال تضخيم الوقائع وتزييف مضمون الأحكام القضائية، تسعى هذه الجهات إلى خلق انطباع بوجود انهيار في منظومة مراقبة الحدود، أو بوجود خلافات بين الرباط ومدريد، رغم أن الوقائع الميدانية أثبتت العكس.

فقد أظهرت التطورات اللاحقة أن التعاون المغربي الإسباني ظل قائماً وفعالاً، حيث تم التعامل مع تدفقات الهجرة غير النظامية في إطار التنسيق الثنائي، دون أي تغيير في المبادئ الأساسية التي تحكم تدبير هذا الملف. كما أن السلطات الإسبانية لم تعتمد أي تسوية جماعية للمهاجرين الذين وصلوا بطريقة غير نظامية، بل واصلت معالجة الملفات وفق القوانين الوطنية والاتفاقيات الثنائية المعمول بها.

وتكشف هذه الوقائع أن الهدف الحقيقي للحملات الرقمية المجهولة لا يقتصر على تضليل المهاجرين المحتملين، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة التشويش على الشراكة الاستراتيجية التي تجمع المغرب بإسبانيا، وإضعاف الثقة في فعالية التعاون الأمني والقضائي بين البلدين. كما تسعى هذه الحملات إلى خلق مناخ إعلامي يوحي بوجود أزمة دائمة على الحدود، بما يخدم أجندات تستفيد من تأجيج التوتر ونشر الفوضى المعلوماتية.

لقد أثبت المغرب، خلال السنوات الأخيرة، أنه شريك مسؤول في تدبير قضايا الهجرة والأمن الإقليمي، من خلال تفكيك شبكات تهريب البشر، وتعزيز المراقبة الحدودية، والتنسيق المستمر مع شركائه الأوروبيين. وهو ما جعل المملكة تحظى باعتراف متزايد بدورها المحوري في حماية الضفة الجنوبية للمتوسط ومواجهة الجريمة المنظمة العابرة للحدود.

وأمام تصاعد الحملات الرقمية المجهولة، تبرز الحاجة إلى التعامل بحذر مع المحتويات المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي، وعدم الانسياق وراء الروايات غير الموثقة، خاصة عندما تتعلق بقضايا تمس الأمن والهجرة والعلاقات الدولية. فالمعركة اليوم لم تعد تقتصر على مواجهة شبكات التهريب على الأرض، بل أصبحت تشمل أيضاً مواجهة حملات التضليل الإلكتروني التي توظف الأخبار الزائفة والتأويلات المغلوطة لضرب الثقة في المؤسسات واستهداف المصالح المشتركة للمغرب وشركائه التاريخيين.

اترك تعليقاً

إغلاق