سياسة وعلاقات دولية

من نهاية المينورسو إلى إعادة رسم قواعد الملف الأممي

لم تكن جلسة مجلس الأمن الدولي المنعقدة في 30 أكتوبر 2026 مجرد محطة إجرائية للنظر في تمديد ولاية بعثة المينورسو، بل شكلت منعطفاً في مسار التعاطي الأممي مع قضية الصحراء المغربية، بعدما حال الفيتو الروسي دون اعتماد مشروع القرار الأمريكي، في وقت أخفق فيه المشروع الروسي البديل في الحصول على الأغلبية المطلوبة.

فقد حظي المشروع الأمريكي بتأييد أحد عشر عضواً، مقابل اعتراض روسيا وامتناع ثلاثة أعضاء عن التصويت. وفي المقابل، حصل المشروع الروسي على ثلاثة أصوات مؤيدة، مقابل صوت أمريكي معارض وأحد عشر امتناعاً. وبذلك انتهت ولاية المينورسو في 31 أكتوبر دون صدور قرار جديد بتمديدها.

وتكمن أهمية هذه النتيجة في أن المشروع الأمريكي لم يسقط بسبب افتقاره إلى الأغلبية، بل بسبب استخدام روسيا حق النقض، بينما لم يستوفِ المشروع الروسي شرط الأغلبية اللازمة لاعتماده. وهو تمييز يعكس طبيعة موازين القوى داخل مجلس الأمن، حيث لا تعني القدرة على تعطيل مشروع قرار امتلاك القدرة على فرض بديل عنه.

غير أن التحول الأهم يتجاوز نتيجة التصويت إلى طبيعة المقاربة السياسية التي كانت مطروحة أمام المجلس. فالصيغة النهائية للمشروع الأمريكي كانت تقترح تمديد ولاية البعثة مع تعديل تسميتها وبعض عناصر عملها، في سياق تعزيز المرجعية التفاوضية المرتبطة بالمقترح المغربي المحين للحكم الذاتي، إلى جانب مقتضيات ذات أبعاد إنسانية وقانونية، أبرزها تسجيل سكان مخيمات تندوف لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وعليه، فإن انتهاء ولاية المينورسو لم يكن نتيجة اعتماد قرار أمريكي يقضي بإنهائها، وإنما نتيجة عدم اعتماد أي من المشروعين المطروحين.

ومن هنا يبرز السؤال المركزي: هل يقتصر هذا التطور على انتهاء مهمة أممية، أم أنه يؤشر إلى مرحلة جديدة في مسار البحث عن تسوية سياسية للنزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية؟

الفيتو الروسي: سلطة التعطيل وحدود التأثير داخل مجلس الأمن

أظهرت جلسة 30 أكتوبر أن الخلاف بين الولايات المتحدة وروسيا لم يكن تقنياً بشأن مدة تمديد ولاية المينورسو، بل ارتبط بطبيعة الإطار السياسي والمؤسساتي الذي ينبغي أن يوجه المرحلة المقبلة.

فالمشروع الأمريكي، في صيغته النهائية، كان يقترح تمديد ولاية البعثة إلى 31 أكتوبر 2027، مع تغيير تسميتها وتعديل بعض مهامها، في اتجاه إعادة تكييف المقاربة الأممية مع التطورات السياسية التي شهدها الملف.

أما موسكو فاعترضت على ما اعتبرته محاولة لاستباق نتائج المفاوضات وتعديل طبيعة المهمة الأممية دون توافق كافٍ، ودافعت عن تمديد يحافظ على الإطار السابق لعمل البعثة.

ومن الناحية القانونية، حصل المشروع الأمريكي على الأغلبية العددية المطلوبة، لكن التصويت السلبي لروسيا، باعتبارها عضواً دائماً في مجلس الأمن، حال دون اعتماده. أما المشروع الروسي فلم يحصل على الأصوات التسعة اللازمة، ولذلك لم يكن الصوت الأمريكي المعارض وحده سبب عدم اعتماده.

وتكشف هذه النتيجة حدود سلطة التعطيل داخل مجلس الأمن. فقد استطاعت روسيا منع اعتماد المشروع الأمريكي، لكنها لم تتمكن من تأمين استمرار البعثة وفق الصيغة التي دافعت عنها.

وفي المقابل، لم تتحول الأغلبية المؤيدة للمشروع الأمريكي إلى قرار نافذ، رغم ما عكسته من تقارب في مواقف عدد من أعضاء المجلس بشأن الاتجاه العام للمقاربة المطروحة.

وتبرز هنا مفارقة مؤسساتية مهمة: حق النقض يستطيع منع صدور القرار، لكنه لا يوفر، في حد ذاته، إطاراً بديلاً للتسوية.

ومن منظور جيوسياسي، تعكس هذه التطورات استمرار التباين بين واشنطن وموسكو بشأن حدود دور مجلس الأمن في تحديد المرجعيات السياسية للحلول المقترحة، دون أن يعني ذلك بالضرورة انتقال هذا التباين إلى العلاقات الثنائية للدول المعنية مع القوتين.

لماذا لم تعتبر الرباط الفيتو انتكاسة دبلوماسية؟

أوضح ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، في تصريحاته للقناة الثانية مساء 31 أكتوبر، أن المغرب كان يدرك إمكانية استخدام روسيا حق النقض، وأنه لم يكن مستعداً لإفراغ المشروع الأمريكي من مضمونه السياسي من أجل تفادي الفيتو.

ويعكس هذا الموقف تمييزاً دبلوماسياً بين اعتماد القرار من جهة، والحفاظ على المرجعية السياسية التي يدافع عنها المغرب من جهة ثانية.

فمن منظور الرباط، لم تكن أهمية المشروع الأمريكي مرتبطة بتمديد ولاية المينورسو وحده، وإنما بالمقتضيات التي كان سيعززها بشأن موقع مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية في مسار التسوية.

ومن هنا، يمكن قراءة الموقف المغربي باعتباره حرصاً على صون مضمون المقاربة السياسية المقترحة، حتى في ظل احتمال عدم اعتماد المشروع.

ومع ذلك، فإن التحليل القانوني يقتضي الفصل بين القيمة السياسية لمشروع حظي بتأييد أغلبية أعضاء مجلس الأمن، وبين الآثار الملزمة لقرار معتمد.

فالمشروع الأمريكي لم يصبح قراراً نافذاً، ولم تتحول مقتضياته الجديدة إلى تكليف صادر عن مجلس الأمن. وفي المقابل، لم يتمكن المشروع الروسي من ضمان استمرار البعثة بصيغتها السابقة.

وهكذا أفضت الجلسة إلى وضع مؤسساتي مختلف عن الخيارين المطروحين، بما يفرض على الدبلوماسية المغربية مواصلة العمل على تعزيز موقع المبادرة المغربية داخل الأطر الدولية، دون الخلط بين التأييد السياسي والنتائج القانونية.

بلاغ الديوان الملكي: المرجعية الاستراتيجية للمرحلة الدبلوماسية الجديدة

يشكل بلاغ الديوان الملكي الصادر عقب جلسة مجلس الأمن المرجعية الرسمية الأساسية لفهم موقف المملكة المغربية من التطورات الأخيرة.

فقد وضع البلاغ عدم تجديد ولاية المينورسو في سياق المسار الدبلوماسي الذي تقوده المملكة للدفاع عن وحدتها الترابية، وأبرز أهمية المرحلة الجديدة في أفق الطي النهائي لهذا النزاع الإقليمي.

كما أكد تمسك المغرب بالتزاماته المرتبطة بوقف إطلاق النار، بما يعكس استمرارية المقاربة المغربية القائمة على الجمع بين الدفاع عن السيادة والوحدة الترابية والحفاظ على الاستقرار.

وتكمن أهمية البلاغ في تحديده للإطار الاستراتيجي الذي تتحرك ضمنه الدبلوماسية المغربية في مرحلة تشهد تغيراً في الآليات الأممية المرتبطة بالملف.

فالموقف المغربي من الوحدة الترابية ومبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يظل ثابتاً، بينما تطرح نتائج التصويت أسئلة جديدة بشأن مستقبل المواكبة الأممية، وطبيعة المفاوضات، والآليات التي يمكن أن تترجم المواقف الدولية الداعمة للمبادرة المغربية إلى نتائج مؤسساتية.

ومن هذا المنطلق، فإن عدم تجديد ولاية المينورسو لا يُقرأ في الموقف الرسمي المغربي بوصفه حدثاً إجرائياً معزولاً، بل محطة ضمن مسار دبلوماسي أوسع.

انتهاء المينورسو: الأثر القانوني والتحول المؤسساتي

يفرض انتهاء ولاية المينورسو التمييز بين ثلاثة مستويات: انتهاء التفويض الأممي، والترتيبات العملية المتعلقة بالبعثة، واستمرار اختصاصات أجهزة الأمم المتحدة.

أولاً، على المستوى الإجرائي، يعني عدم تمديد ولاية المينورسو انتهاء التفويض الزمني الذي كانت تعمل بموجبه، وما يستتبعه ذلك من إجراءات إدارية ولوجستية مرتبطة بإنهاء المهمة.

غير أن انتهاء التفويض لا يعني بالضرورة مغادرة جميع أفراد البعثة في اللحظة نفسها، لأن عمليات الإغلاق والتصفية الإدارية وتسليم التجهيزات تستلزم ترتيبات انتقالية.

ثانياً، على المستوى المؤسساتي، يفتح عدم التجديد مرحلة جديدة في طريقة مواكبة الأمم المتحدة للملف، بعد عقود ارتبط خلالها جزء من عمل مجلس الأمن بالتجديد الدوري لولاية البعثة.

ويطرح هذا التطور سؤالاً بشأن الآليات التي يمكن أن تؤطر العمل الأممي مستقبلاً، سواء تعلق الأمر بالمساعي السياسية أو بترتيبات مؤسساتية قد يتوافق عليها مجلس الأمن لاحقاً.

ثالثاً، على المستوى القانوني، ينبغي التأكيد أن انتهاء ولاية بعثة أممية لا يلغي تلقائياً اختصاصات مجلس الأمن أو الجمعية العامة، ولا يؤدي بذاته إلى إلغاء القرارات السابقة أو ترتيبات وقف إطلاق النار والاتفاقات ذات الصلة.

كما أن انتهاء مهمة المينورسو لا يعني، في حد ذاته، حسم الوضع القانوني والسياسي للقضية داخل منظومة الأمم المتحدة.

وتسمح هذه التمييزات بتحديد نطاق التحول بدقة: فقد انتهى التفويض الزمني للبعثة، بينما تظل معالجة الملف سياسياً ودبلوماسياً مرتبطة بالمسارات والمؤسسات الدولية المعنية.

ومن المنظور المغربي، تبرز أهمية هذه المرحلة في إمكان إعادة تركيز الجهود الدبلوماسية على مضمون التسوية السياسية، وفي مقدمتها مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

عمر هلال: من انتهاء التفويض إلى الترتيبات العملية للمغادرة

جاءت تصريحات عمر هلال، السفير الممثل الدائم للمملكة المغربية لدى الأمم المتحدة، في حواره مع قناة «ميدي1» يوم فاتح نوفمبر، لتوضح الأبعاد العملية والسياسية لعدم تمديد ولاية المينورسو.

فقد أكد أن انتهاء ولاية البعثة يضعها أمام مرحلة التحضير للمغادرة، مشيراً إلى مباشرة مسؤولين بالأمانة العامة للأمم المتحدة اتصالات مع رئاستها بشأن الترتيبات المرتبطة بذلك.

وتبرز أهمية هذه التصريحات في الانتقال من انتهاء التفويض إلى تدبير آثاره العملية، في إطار التنسيق المؤسساتي، مع تأكيد استعداد السلطات المغربية لتيسير مغادرة البعثة في أفضل الظروف.

كما تناول هلال العلاقات المغربية الروسية، مؤكداً استمرار العلاقات التاريخية بين البلدين، القائمة على الاحترام المتبادل.

ويعكس هذا الموقف حرص الدبلوماسية المغربية على الفصل بين الاختلاف بشأن مشروع قرار داخل مجلس الأمن وبين استمرارية العلاقات الثنائية مع دولة دائمة العضوية.

فالمواقف التي تتخذها القوى الكبرى في الملفات الأممية لا تختزل بالضرورة مجمل علاقاتها السياسية والاقتصادية والدبلوماسية مع المملكة.

الحكم الذاتي: من مبادرة سنة 2007 إلى المشروع المغربي المحين

لا يمكن تحليل مستقبل مبادرة الحكم الذاتي انطلاقاً من مشروع القرار الأمريكي وحده، لأن المسار السياسي شهد قبل جلسة مجلس الأمن تطوراً تمثل في تقديم المغرب نسخة موسعة ومحينة من مبادرته لسنة 2007.

وقد تناول تقرير الأمين العام للأمم المتحدة لسنة 2026 تطورات المشاورات التي جرت خلال السنة نفسها، في سياق الجهود التي يقودها مبعوثه الشخصي ستافان دي ميستورا.

وتكمن أهمية المقترح المغربي المحين في الانتقال من المبادئ العامة للحكم الذاتي إلى تصور أكثر تفصيلاً بشأن ترتيباته القانونية والمؤسساتية.

فأي مشروع للحكم الذاتي يطرح مسائل تتعلق بتوزيع الاختصاصات بين المؤسسات المحلية والسلطات المركزية، والضمانات الدستورية والقانونية، وآليات المشاركة والتمثيل، وترتيبات التنفيذ.

ومن هذا المنظور، فإن تطوير المبادرة المغربية يسمح بالانتقال من مناقشة مبدأ الحكم الذاتي إلى بحث بنيته المؤسساتية وشروط تنزيله في إطار السيادة المغربية.

ويكتسب هذا الانتقال أهمية خاصة لأن فعالية أي تسوية سياسية لا تتحدد بصياغة مبادئها العامة فقط، وإنما كذلك بمدى وضوح مؤسساتها واختصاصاتها وضماناتها.

وقد جاء المشروع الأمريكي في سياق هذا التطور، ولم يكن هو الذي أنشأ المبادرة المغربية أو نسختها المحينة.

وعليه، فإن استخدام روسيا حق النقض حال دون اعتماد قرار جديد كان سيعزز هذا المسار، لكنه لم يلغِ المقترح المغربي أو المشاورات التي سبق أن جرت بشأنه.

ويبقى التحدي الدبلوماسي في كيفية تحويل المقترح المحين إلى أساس لمناقشات مؤسساتية محددة، ضمن مسار سياسي يحظى بالدعم الدولي اللازم.

تمثيلية الصحراويين: نحو إشراك أوسع في المشاورات الأممية

إلى جانب مضمون مبادرة الحكم الذاتي، برز في تصريحات عمر هلال، السفير الممثل الدائم للمملكة المغربية لدى الأمم المتحدة، بُعد سياسي يتعلق بتمثيلية الصحراويين في المشاورات المرتبطة بالتسوية.

فقد أوضح هلال، خلال مقابلة مع قناة «ميدي1 تيفي» يوم فاتح نوفمبر 2026، أن المشروع الأمريكي كان يتضمن مقتضى يرمي إلى توسيع المشاورات التي يجريها المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، لتشمل مختلف مكونات الساكنة الصحراوية، بمن فيهم سكان الأقاليم الجنوبية للمملكة، وأفراد الجالية الصحراوية بالخارج، وسكان مخيمات تندوف. واعتبر أن هذا التوجه كان سيضع حداً لما وصفه باحتكار تمثيلية الصحراويين في العملية السياسية.

وتكتسب هذه التصريحات أهمية دبلوماسية، لأنها تضع مسألة التمثيلية في صلب النقاش حول مستقبل التسوية، وتثير سؤالاً يتعلق بمدى حضور مختلف التعبيرات الصحراوية في المشاورات الأممية.

فمن منظور المغرب، لا يمكن اختزال التعبير عن تطلعات الساكنة الصحراوية في جهة واحدة، بمعزل عن سكان الأقاليم الجنوبية وممثليهم المنتخبين، الذين يضطلعون بأدوار مؤسساتية في تدبير الشأن العام المحلي ضمن المؤسسات الوطنية والترابية للمملكة.

ويكتسب هذا المعطى أهمية إضافية في ضوء نتائج الانتخابات التشريعية المغربية المنعقدة في 23 شتنبر 2026، التي سجلت نسب مشاركة مرتفعة في الأقاليم الجنوبية مقارنة بالمعدل الوطني. فقد بلغت نسبة المشاركة 77 في المائة بجهة العيون–الساقية الحمراء، و61 في المائة بجهة الداخلة–وادي الذهب، مقابل معدل وطني ناهز 38 في المائة. وهي معطيات تبرز حضور المشاركة الانتخابية في الحياة السياسية والمؤسساتية بهذه الجهات، وتمنح النقاش حول التمثيلية بعداً عملياً يرتبط بوجود مؤسسات منتخبة وممثلين يستمدون شرعيتهم من صناديق الاقتراع.

وفي هذا السياق، يمكن أن يشكل إشراك مكونات صحراوية إضافية في المشاورات فرصة لإغناء النقاش حول الترتيبات السياسية والمؤسساتية لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، بما يتيح الاستماع إلى تجارب ومواقف متنوعة.

غير أن الدقة القانونية تقتضي التمييز بين المشاركة في المشاورات التي يجريها المبعوث الشخصي، وبين الصفة التفاوضية للأطراف في المسار الأممي. فتوسيع دائرة الاستماع لا يؤدي، في حد ذاته، إلى تعديل الإطار التفاوضي أو إضفاء صفة قانونية جديدة على الجهات المشاركة.

وتبرز أهمية هذا التوجه، في المحصلة، في إعادة الاعتبار لمسألة المشاركة في بناء التسوية، من خلال إفساح المجال أمام حضور أوسع لمختلف مكونات الساكنة الصحراوية، مع الحفاظ على التمييز بين التشاور السياسي والتمثيلية التفاوضية.

تسجيل سكان مخيمات تندوف: البعد القانوني والإنساني في المشروع الأمريكي

من بين المقتضيات المهمة التي تضمنتها الصيغة النهائية للمشروع الأمريكي، الطلب الموجه إلى المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين باستكمال التسجيل الفردي للاجئين في منطقة تندوف خلال أجل ستة أشهر، وفق القانون الدولي والمعايير المعتمدة لدى المفوضية، مع ضمان الشروط الضرورية لإنجاز العملية دون تدخل، بما في ذلك حرية الوصول والتنقل اللازمة لتنفيذها.

وتكتسب هذه المسألة أهمية قانونية وإنسانية، بالنظر إلى ارتباط التسجيل الفردي بتوثيق أوضاع الأشخاص المعنيين، وتحديد احتياجاتهم، وتعزيز فعالية آليات الحماية والمساعدة الإنسانية.

فعلى المستوى القانوني، يشكل التسجيل إحدى الأدوات التي تعتمدها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في ممارسة اختصاصاتها المتعلقة بالحماية الدولية، وفق الضمانات والمعايير المعمول بها، بما فيها حماية المعطيات الشخصية واحترام حقوق الأفراد.

أما على المستوى الإنساني، فإن توفر بيانات فردية دقيقة ومحدثة يساهم في تحسين تقدير الاحتياجات الفعلية للسكان، وتوجيه المساعدات بصورة أكثر فعالية، وتعزيز الشفافية في تدبير البرامج الإنسانية.

وتبرز الأهمية السياسية للمقتضى في أن إدراجه ضمن قرار صادر عن مجلس الأمن كان سيمنح مسألة التسجيل حضوراً مؤسساتياً أوضح، من خلال تحديد أجل زمني لاستكمال العملية.

ومن منظور المغرب، تندرج هذه المسألة ضمن دعواته المتواصلة إلى إجراء إحصاء وتسجيل فردي لسكان مخيمات تندوف، باعتبار ذلك مدخلاً لتعزيز الشفافية وضمان الحماية الإنسانية وتوفير معطيات موثوقة حول أوضاع الأشخاص المعنيين.

غير أن التسجيل الفردي لا ينبغي الخلط بينه وبين التمثيلية السياسية؛ فهو لا يمنح تلقائياً صفة تفاوضية لأي جهة، ولا يشكل في حد ذاته آلية لحسم الوضع القانوني للإقليم أو تحديد مضمون التسوية.

ومن الناحية القانونية، حال عدم اعتماد المشروع الأمريكي دون صدور تكليف جديد من مجلس الأمن باستكمال التسجيل خلال الأجل المقترح. إلا أن ذلك لا يلغي اختصاصات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أو مسؤولياتها القائمة في مجال الحماية الدولية.

وعليه، فإن أهمية إدراج التسجيل في المشروع الأمريكي لا تكمن في آثاره السياسية المحتملة فحسب، بل في إبرازه ضرورة معالجة الأوضاع الإنسانية في مخيمات تندوف وفق معايير واضحة وقابلة للتحقق، مع احترام حقوق الأشخاص المعنيين والفصل بين متطلبات الحماية الإنسانية والاعتبارات المرتبطة بالعملية السياسية.

اللجنة الرابعة: من التأييد الدبلوماسي إلى النتائج المؤسساتية

أشار ناصر بوريطة إلى أهمية المرحلة المقبلة داخل اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، التي تختلف قواعد اتخاذ القرار فيها عن مجلس الأمن.

فداخل مجلس الأمن، تستطيع دولة دائمة العضوية منع اعتماد مشروع قرار موضوعي باستخدام حق النقض، حتى عندما يحصل على الأغلبية المطلوبة.

أما داخل الجمعية العامة ولجانها، فلا توجد آلية مماثلة للفيتو، وتصبح القدرة على بناء التأييد وحشد الأصوات عنصراً أساسياً في تحديد النتائج.

ومن منظور الدبلوماسية المغربية، يتيح هذا الإطار اختبار مدى استعداد الدول الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي لترجمة مواقفها الثنائية إلى مواقف مؤسساتية داخل الأمم المتحدة.

غير أن الانتقال من التأييد السياسي إلى النتائج المؤسساتية يتطلب عملاً دبلوماسياً وإجرائياً مستقلاً، لأن عدم تمديد ولاية المينورسو لا يؤدي تلقائياً إلى تغيير طريقة تناول القضية داخل جميع أجهزة المنظمة.

كما أن أي تعديل في جدول الأعمال أو في القرارات ذات الصلة يظل خاضعاً للقواعد الإجرائية المعمول بها.

وهنا تبرز أهمية العمل متعدد الأطراف في المرحلة المقبلة، ليس فقط من خلال تعزيز الدعم للمبادرة المغربية، بل أيضاً عبر متابعة انعكاسات هذا الدعم على المواقف والتصويتات والمداولات داخل المؤسسات الأممية.

الموقف الروسي بعد الفيتو: الجزائر جهة معنية واستمرار التواصل مع المغرب

تكتسب تصريحات ماريا زاخاروفا، المتحدثة الرسمية باسم وزارة الخارجية الروسية، يوم فاتح نوفمبر 2026، أهمية خاصة في فهم طبيعة الموقف الروسي وحدود تأثيره على العلاقات الدبلوماسية في المنطقة.

فقد أكدت، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الروسية «إنترفاكس» عن الخارجية الروسية، أن المغرب والجزائر من الجهات المعنية مباشرة بقضية الصحراء، مشددة على استمرار اتصالات موسكو الوثيقة مع الشركاء المغاربة والجزائريين وغيرهم.

كما أعربت عن أسف روسيا لانتهاء ولاية المينورسو، واعتبرت أن المقاربة الأمريكية كانت تتجه نحو تعديل جوهري في طبيعة المهمة الأممية دون التوصل إلى توافق كافٍ بشأن التسوية السياسية.

ويأتي هذا الموقف في سياق التفسير الذي قدمه فاسيلي نيبينزيا، الممثل الدائم لروسيا لدى الأمم المتحدة، خلال جلسة 30 أكتوبر، عندما برر استخدام حق النقض برفض موسكو ما اعتبرته استباقاً لنتائج المفاوضات بشأن الوضع النهائي للإقليم.

وتكتسب الإشارة الروسية إلى الجزائر بوصفها من الجهات المعنية مباشرة بالملف دلالة سياسية، بالنظر إلى دور الجزائر في دعم البوليساريو واستضافة مخيمات تندوف، وإلى موقعها ضمن التوازنات الإقليمية المرتبطة بالنزاع.

غير أن الدقة الدبلوماسية تقتضي عدم تقديم هذه الإشارة بوصفها إعلاناً روسياً جديداً يغير الصفة القانونية أو التفاوضية للأطراف.

فروسيا سبق أن أكدت اتصالاتها مع المغرب والجزائر وموريتانيا والبوليساريو، وهو ما يجعل التصريحات الأخيرة أقرب إلى تأكيد استمرار التواصل مع الجهات المعنية، لا إلى إعلان تغيير رسمي في الإطار التفاوضي.

واللافت في الموقف الروسي هو الجمع بين الاعتراض على المشروع الأمريكي واستمرار العلاقات مع المغرب.

وهذا التمييز يعكس طبيعة العلاقات الدولية، حيث يمكن أن تختلف مواقف الدول بشأن نص أممي محدد دون أن يترتب على ذلك بالضرورة تحول شامل في علاقاتها الثنائية.

وبالنسبة إلى المغرب، تظل إدارة العلاقات مع القوى الدائمة العضوية في مجلس الأمن جزءاً من العمل الدبلوماسي الرامي إلى توسيع مساحات التفاهم حول مبادرة الحكم الذاتي، مع الحفاظ على قنوات الحوار القائمة.

الجزائر بعد الفيتو: توازنات إقليمية أمام معطى جديد

لا يمكن تحليل تداعيات التصويت بمعزل عن العلاقات المغربية الجزائرية، بالنظر إلى ارتباط قضية الصحراء بالتوازنات السياسية والأمنية في المنطقة المغاربية.

فالجزائر تدعم جبهة البوليساريو وتستضيف مخيمات تندوف، كما أن العلاقات الدبلوماسية بينها وبين المغرب مقطوعة منذ سنة 2021.

ومن منظور وزارة الخارجية المغربية، فإن ترحيب الجزائر بعدم اعتماد المشروع الأمريكي يقابله تطور مؤسساتي يتمثل في انتهاء ولاية المينورسو، وهي آلية كانت تدافع عن استمرارها.

لكن القراءة الجيوسياسية تقتضي التمييز بين موقف الجزائر من مضمون المشروع الأمريكي وموقفها من استمرار البعثة، لأن الأمر يتعلق بمستويين مختلفين من الحسابات الدبلوماسية.

وتطرح المرحلة المقبلة سؤالاً بشأن مدى انعكاس هذا التطور على مواقف الجهات المعنية من شروط التسوية السياسية.

فالعلاقات المغربية الجزائرية لا تتأثر بملف الصحراء وحده، بل تتداخل فيها قضايا الحدود والأمن الإقليمي والتوازنات المغاربية والعلاقات مع القوى الدولية.

كما أن غياب العلاقات الدبلوماسية المباشرة يزيد أهمية قنوات التواصل غير المباشر، خصوصاً في الفترات التي تشهد تغيرات مؤسساتية أو توترات أمنية.

ومن ثم، فإن انتهاء ولاية المينورسو لا يؤدي تلقائياً إلى تغيير العلاقة بين البلدين، لكنه يضيف معطى جديداً إلى البيئة الإقليمية التي تتحرك فيها الدبلوماسيتان المغربية والجزائرية.

هل يمكن أن يتكرر سيناريو الكركرات لسنة 2020؟

يستدعي تحليل التحديات الأمنية للمرحلة المقبلة العودة إلى أزمة الكركرات في نوفمبر 2020، عندما أدى إغلاق المعبر وعرقلة حركة المرور من طرف عناصر تابعة للبوليساريو إلى تدخل القوات المسلحة الملكية المغربية لإعادة فتح الطريق.

وقد اعتبرت الرباط تدخلها عملية لتأمين المعبر وضمان حرية التنقل، بينما أعلنت البوليساريو لاحقاً أنها لم تعد ملتزمة بوقف إطلاق النار الموقع سنة 1991.

وتكتسب هذه السابقة أهمية تحليلية لأنها تظهر كيف يمكن أن يتحول حادث ميداني في منطقة حساسة إلى أزمة سياسية وأمنية أوسع.

غير أن المقارنة بين المرحلتين تقتضي مراعاة اختلاف السياق.

ففي سنة 2020 كان هناك إغلاق فعلي لمعبر استراتيجي، بينما يرتبط التطور الحالي بانتهاء ولاية بعثة أممية وما قد يترتب عليه من تغير في آليات المراقبة والاتصال.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية التحقق المستقل من الوقائع الميدانية، والحفاظ على قنوات الاتصال اللازمة لتفادي سوء التقدير، وصون الاستقرار في الأقاليم الجنوبية للمملكة.

وفي فاتح نوفمبر 2026، جرى تداول بلاغ منسوب إلى البوليساريو بشأن استهداف مواقع عسكرية مغربية في قطاع أم أدريكة. ولم يتوافر تأكيد مستقل لتفاصيل العملية أو للخسائر المزعومة، ولذلك ينبغي التعامل مع هذه الادعاءات بوصفها غير مثبتة بصورة مستقلة.

ومن هنا، فإن السؤال لا يتعلق بافتراض تكرار أزمة الكركرات، وإنما بمدى قدرة الآليات المتاحة على احتواء أي حادث ميداني ومنع اتساع تداعياته.

كما أن انتهاء ولاية المينورسو لا يعني تلقائياً إلغاء الترتيبات القائمة المرتبطة بوقف إطلاق النار، وهو تمييز ضروري لتجنب الخلط بين الوضع المؤسساتي للبعثة والالتزامات ذات الصلة.

البعد الجيواقتصادي: الصحراء المغربية ضمن الاستراتيجية الأطلسية والإفريقية

لا تقتصر التحولات المرتبطة بمرحلة ما بعد المينورسو على الأبعاد السياسية والقانونية، بل تمتد إلى موقع الأقاليم الجنوبية ضمن الاستراتيجية الاقتصادية والأطلسية للمملكة المغربية.

فقد أصبح الاستثمار في البنيات التحتية والربط اللوجستي والطاقي أحد العناصر الأساسية في تعزيز الحضور الاقتصادي للمغرب داخل عمقه الإفريقي، ولا سيما في ظل تطوير ميناء الداخلة الأطلسي والمبادرة الملكية الرامية إلى تسهيل ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي.

ومن هذا المنظور، يكتسب التحول الدبلوماسي الراهن بعداً جيواقتصادياً يشمل مصالح الدول والشركات والمؤسسات الاقتصادية التي تنظر إلى الواجهة الأطلسية المغربية باعتبارها مجالاً للتبادل والاستثمار والربط بين إفريقيا وأوروبا والأسواق الدولية.

وتبرز هنا أهمية التمييز بين المواقف السياسية والالتزامات الاقتصادية والاستثمارية.

فالدعم الدبلوماسي قد يساهم في تعزيز الثقة في البيئة الاستثمارية، لكنه لا يلغي بمفرده الاعتبارات القانونية والمالية والأمنية التي تحكم قرارات المستثمرين.

كما أن مشاريع الربط الطاقي والمينائي، بما فيها مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، تطرح تصوراً أوسع لمكانة الأقاليم الجنوبية في بناء شراكات إقليمية طويلة المدى.

ويمكن قراءة المقاربة المغربية باعتبارها قائمة على تكامل ثلاثة مستويات: الدفاع الدبلوماسي عن الوحدة الترابية، وتطوير المؤسسات والبنيات الاقتصادية في الأقاليم الجنوبية، وتعزيز الشراكات التي تربط استقرار المنطقة بمصالح تنموية مشتركة.

أما انتهاء ولاية المينورسو، فيشكل متغيراً مؤسساتياً جديداً ضمن هذه المعادلة، دون أن يكون وحده كافياً لإحداث تحول تلقائي في الوضع القانوني أو في شروط تنفيذ المشاريع الاقتصادية.

والسؤال الاستراتيجي المطروح هو مدى قدرة المغرب على تحويل التراكم الدبلوماسي والتنموي إلى شبكة مصالح اقتصادية إقليمية ودولية مستدامة، بما يعزز مكانة الأقاليم الجنوبية في الفضاء الأطلسي والإفريقي.

قراءة استشرافية: هل تتغير قواعد التسوية أم تنتقل الأزمة إلى مرحلة جديدة؟

إن التحول الذي أفرزته جلسة مجلس الأمن في 30 أكتوبر لا يمكن قياسه فقط بانتهاء ولاية المينورسو، بل بما قد يترتب عليه من إعادة ترتيب للأدوار السياسية والمؤسساتية في تدبير قضية الصحراء المغربية.

فالمسألة أصبحت تتصل بثلاثة أسئلة استراتيجية: ما المرجعية التي ستوجه التسوية؟ وكيف ستُنظم المشاركة في مناقشتها؟ وما الإطار الدولي والإقليمي القادر على مواكبة تنفيذها؟

أولاً، على المستوى القانوني، يطرح انتهاء ولاية المينورسو سؤالاً بشأن طبيعة الآليات التي يمكن أن ترافق المسار السياسي مستقبلاً.

فوجود بعثة أممية، واستمرار المساعي السياسية للأمين العام ومبعوثه الشخصي، والتوصل إلى اتفاق بشأن ترتيبات التسوية، مستويات مترابطة سياسياً لكنها ليست متطابقة قانونياً.

وإذا لم يتم التوافق على آلية أممية بديلة، فقد تتجه الجهود الدولية نحو إعطاء أولوية أكبر للمشاورات والمفاوضات السياسية، دون أن يعني ذلك انتهاء دور الأمم المتحدة.

ثانياً، على المستوى التفاوضي، تبرز أهمية المقترح المغربي المحين للحكم الذاتي بوصفه إطاراً يتيح الانتقال إلى مناقشة التفاصيل المؤسساتية للتسوية تحت السيادة المغربية.

وفي هذا السياق، قد تكتسب مسائل الاختصاصات والضمانات الدستورية وآليات المشاركة وترتيبات التنفيذ وزناً أكبر في النقاش الدبلوماسي.

غير أن الانتقال إلى هذه المرحلة يتطلب توافقاً على إطار للمحادثات يسمح بمعالجة الخلافات دون تعطيل العملية السياسية.

ثالثاً، على المستوى الجيوسياسي، أظهر التصويت أن التنافس بين القوى الكبرى لا يقتصر على مضمون التسوية، بل يشمل أيضاً تحديد طبيعة الدور الأممي وحدود المرجعية السياسية التي يمكن أن يعتمدها مجلس الأمن.

وقد يؤدي استمرار هذا التباين إلى بقاء الخلاف حول صياغة أي مشروع قرار جديد، بينما تظل قنوات التواصل الثنائية ومتعددة الأطراف ذات أهمية في تقريب المواقف.

وفي هذا السياق، يمكن للدبلوماسية المغربية مواصلة تعميق شراكاتها مع الدول الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي، مع الحفاظ على الحوار مع القوى التي تبدي تحفظات بشأن بعض عناصر المقاربة المطروحة.

رابعاً، على المستوى الإقليمي، تظل العلاقات المغربية الجزائرية أحد العناصر المؤثرة في البيئة السياسية المحيطة بالملف.

فاستمرار الجمود في العلاقات الثنائية قد يزيد الاعتماد على الاتصالات غير المباشرة، بينما يمكن لأي تقدم في بناء الثقة أن يساهم في تخفيف التوتر الإقليمي.

وتبرز هنا أهمية الفصل بين الخلافات السياسية القائمة وبين المصالح المشتركة المرتبطة بالاستقرار والتنمية والأمن المغاربي.

خامساً، على المستوى الأمني، سيظل منع التصعيد أحد الاختبارات العملية لمرحلة ما بعد المينورسو.

فغياب البعثة بصيغتها السابقة قد يطرح تحديات تتعلق بالتحقق من الحوادث الميدانية، وهو ما يزيد أهمية ضبط النفس وتجنب أي تطورات يمكن أن تعرقل المسار السياسي.

سادساً، على المستوى الجيواقتصادي، قد يتزايد حضور المصالح المرتبطة بالمشاريع في الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية ضمن حسابات الشركاء الدوليين.

فميناء الداخلة الأطلسي ومبادرات الربط مع دول الساحل يعكسان توجهاً نحو تعزيز اندماج المنطقة في محيطها الإفريقي والأطلسي.

غير أن المشاريع الاقتصادية لا تحل محل التسوية السياسية والقانونية، وإنما يمكن أن تشكل عنصراً مساعداً على توفير بيئة أكثر ملاءمة للاستقرار والتعاون.

الخلاصة: من تدبير الملف إلى اختبار القدرة على تشكيل المرحلة المقبلة

تكمن خصوصية المرحلة التي أعقبت جلسة مجلس الأمن في أن التحول المؤسساتي سبق التوافق السياسي على البديل. فقد انتهت ولاية المينورسو، بينما ظلت الأسئلة المتعلقة بالمرجعية التفاوضية وآليات المواكبة الأممية وشروط التسوية مفتوحة.

وهذا الوضع يفرض قراءة تتجاوز منطق الربح والخسارة المرتبط بنتائج التصويت.

فالقضية الأساسية لم تعد محصورة في معرفة أي مشروع قرار تعثر، وإنما في تحديد ما إذا كان بالإمكان الانتقال من تدبير نزاع طويل الأمد إلى بلورة مسار سياسي أكثر تحديداً من حيث المرجعية والمضمون والآليات.

وبالنسبة إلى المغرب، تتجلى أهمية المرحلة في العلاقة بين ثلاثة عناصر: وضوح المقترح السياسي الذي يقدمه، وتراكم المواقف الدولية الداعمة له، وقدرته على تحويل هذا التراكم إلى دينامية تفاوضية ومؤسساتية.

غير أن قوة المبادرة السياسية لا تُقاس فقط بعدد المواقف المؤيدة لها، بل أيضاً بمدى قدرتها على تقديم تصور قابل للنقاش والتنفيذ، وبما توفره من وضوح قانوني ومؤسساتي وضمانات عملية.

ومن هذه الزاوية، يكتسب المقترح المغربي المحين للحكم الذاتي أهمية تتجاوز قيمته بوصفه مرجعية دبلوماسية، ليصبح موضوعاً لنقاش محتمل حول هندسة المؤسسات وتوزيع الاختصاصات وشروط التطبيق.

وفي الوقت نفسه، تكشف مسألتا مشاركة مختلف مكونات الساكنة الصحراوية وتسجيل سكان مخيمات تندوف أن أي مقاربة شاملة للتسوية تحتاج إلى التمييز بين التمثيلية السياسية والحماية الإنسانية، وإلى معالجة كل منهما وفق قواعدها واختصاصاتها.

أما على الصعيد الدولي، فإن الفيتو الروسي يذكّر بأن التحولات في مواقف الدول لا تكفي وحدها لإنتاج قرار أممي، وأن التقدم المؤسساتي يظل مرتبطاً بالقدرة على بناء توافقات أو صيغ مقبولة داخل الأجهزة المختصة.

وهنا تبرز قيمة الدبلوماسية المغربية القائمة على الجمع بين الثبات في الدفاع عن الوحدة الترابية والمرونة في إدارة العلاقات مع مختلف الشركاء الدوليين.

ولعل الاختبار الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة لن يكون في إعادة إنتاج النقاش حول مستقبل بعثة انتهت ولايتها، بل في مدى قدرة الفاعلين المعنيين على جعل مضمون التسوية السياسية محور العمل الدبلوماسي.

فحين تنتقل المفاوضات من إدارة الخلاف حول الإجراءات إلى مناقشة المؤسسات والاختصاصات والضمانات، يصبح بالإمكان قياس التقدم بمعايير أكثر ارتباطاً بإمكانات التسوية الفعلية.

وبذلك، فإن مرحلة ما بعد المينورسو تضع الدبلوماسية أمام مسؤولية مختلفة: ليس فقط الحفاظ على المكتسبات السياسية، وإنما العمل على تحويلها إلى مسار مؤسساتي واضح، تتحدد فيه المرجعية والالتزامات وآفاق التنفيذ.

وفي هذا الانتقال تحديداً، تتحدد القيمة الاستراتيجية للتحولات الراهنة بالنسبة إلى مستقبل قضية الصحراء المغربية.

اترك تعليقاً

إغلاق