سياسة وعلاقات دولية
التجمع الوطني للأحرار بعد 23 شتنبر.. وسؤال ما العمل؟

ليست الانتخابات مجرد عملية حسابية تنتهي بإعلان عدد المقاعد والأصوات، وليست الديمقراطية مجرد انتقال دوري بين الأغلبية والمعارضة. الانتخابات، في جوهرها، لحظة سياسية تختبر فيها المجتمعات شرعية الاختيارات العمومية، وتقيس من خلالها الأحزاب قدرتها على تحويل التعاقدات إلى سياسات، والسياسات إلى نتائج، والنتائج إلى ثقة انتخابية.
لقد دخل التجمع الوطني للأحرار هذه الانتخابات وهو يحمل على عاتقه مسؤولية خمس سنوات من تدبير الشأن العام، باعتباره الحزب الذي تصدر انتخابات 2021 وقاد الائتلاف الحكومي. وهي مسؤولية لا ينبغي اختزالها في منطق المحاسبة السلبية، كما لا ينبغي أن تتحول إلى إنكار لما تحقق خلال الولاية الحكومية.
فالحكومة المنتهية ولايتها استطاعت بالفعل إطلاق أوراش ذات طبيعة استراتيجية، وفي مقدمتها تعميم الحماية الاجتماعية، وإرساء نظام الدعم الاجتماعي المباشر، ودعم السكن، وتعزيز الاستثمار العمومي، وإصلاح منظومة الاستثمار، ومواصلة مشاريع البنيات التحتية والصحة والتعليم.
غير أن الاعتراف بالمنجز لا يعني بالضرورة الحكم بنجاح سياسي وانتخابي. وهذه إحدى المفارقات الكبرى في السياسة الديمقراطية: قد تكون للحكومة حصيلة قابلة للدفاع عنها بالأرقام، لكنها لا تكون بالضرورة قادرة على تحويل تلك الحصيلة إلى رأسمال انتخابي. فثمة قاعدة تكاد تكون كونية في الديمقراطيات الحديثة: السلطة تستهلك الرصيد السياسي لمن يمارسها.
وهنا يصبح كل ارتفاع للأسعار، وكل عجز في الخدمات العمومية، وكل أزمة في التشغيل، وكل اختلال اجتماعي، وكل تأخر في تنفيذ مشروع، جزءاً من الحساب السياسي للحكومة، حتى عندما تكون أسبابه أعمق من إرادة الحكومة ذاتها.
وهذا ما يجعل قاعدة «كلفة السلطة» أكثر من مجرد ملاحظة انتخابية. إنها تكاد تكون قانوناً في السياسة المقارنة. فالحكومات لا تُحاسب فقط على ما فعلته، بل أيضاً على ما لم تستطع فعله، ولا يُسأل الحزب الحاكم فقط عن مسؤولياته المباشرة، بل يتحمل، بحكم موقعه، جانباً من المسؤولية عن المزاج العام تجاه الدولة والسياسة والاقتصاد.
ومن هنا يمكن فهم المفارقة التي واجهت التجمع الوطني للأحرار: كلما اتسعت مسؤولية الحزب في تدبير الدولة، اتسعت معه مساحة المحاسبة الشعبية. ولعل هذا ما يفسر جزئياً أن الانتخابات لا تمنح دائماً مكافأة للحكومات على أساس حصيلتها التقنية. فالمواطن لا يتعامل مع الدولة بمنطق تقرير الأداء السنوي؛ إنه يتعامل معها من خلال تجربته اليومية، ومن خلال إحساسه بالأمن الاقتصادي والاجتماعي، وبقدرته على تحسين شروط حياته.
إن السياسة، كما أدرك ماكس فيبر، ليست مجرد امتلاك السلطة، بل تحمل مسؤوليتها ونتائجها. ومن يدخل عالم السلطة يدخل بالضرورة عالم المسؤولية؛ والمسؤولية السياسية لا تُقاس فقط بحجم ما أُنجز، وإنما أيضاً بحجم ما كان المجتمع ينتظره ولم يتحقق.
وبالعودة إلى مخرجات صناديق الاقتراع، فإنه من المؤكد أن نتائج اقتراع 23 شتنبر تكتسي أهميتها من كونها لا تسجل مجرد تراجع عددي، وإنما تعيد ترتيب الموقع السياسي للحزب.
تقول لغة الأرقام أن الحزب فقد بين 2021 و2026 حوالي ثلثي عدد الأصوات وأكثر من ثلث عدد المقاعد في مجلس النواب، وهنا لا ينبغي التعامل مع الأرقام باعتبارها مجرد نتيجة انتخابية عابرة. فالانتقال من المركز الأول إلى المركز الثاني، ومن 102 مقعد إلى 66، يحمل رسالة سياسية ينبغي للحزب أن يتعامل معها بجدية وهدوء، بعيداً عن التبرير الانفعالي أو البحث عن الأعذار الظرفية.
فالناخب لم يقل بالضرورة إن كل ما أنجزته الحكومة كان خاطئاً؛ لكنه قال شيئاً آخر أكثر أهمية: إن الرصيد الذي راكمه الحزب في الحكم لم يكن كافياً لإبقائه في موقع الصدارة. وهذا فرق جوهري.
فإذا كانت الديمقراطية تعني شيئاً، فإنها تعني قبل كل شيء أن للأرقام الانتخابية معنى سياسياً. وعليه فإن انتقال الحزب من صدارة المشهد السياسي والانتخابي الوطني إلى الرتبة الثانية يجب أن يقرأ سياسيا، ويؤطر بالمنطق الديمقراطي الذي يفترض أن ترتبط فيه نتائج صناديق الاقتراع بتوجهات الناخبين وبالإرادة الشعبية.
تقول الرسالة الني بعث بها المجتمع المغربي للحزب عبر نتائج اقتراع 23 شتنبر أن الصدارة السياسية والانتخابية لم تعد مطروحة، لكن تقول أيضا أن الموضوع لا يتعلق بعقاب سياسي كبير؛ التراجع إلى المركز الثاني برصيد 66 مقعدا ليس هو النزول إلى المركز الثامن ب13 مقعدا كما هو الحال بالنسبة للتجربة السابقة. هذه رسالة بليغة، تقتضي التعامل معها بكثير من التواضع والجدية.
يقتضي المنطق الديمقراطي ضرورة ترتيب الآثار التي تخلفها الاختيارات الانتخابية للمواطنات والمواطنين على المستويين الحزبي والسياسي، وهو ما يعني ضرورة ربط الموقف السياسي للحزب بصوت المجتمع، واستتباعا ضرورة اصطفاف الحزب في المعارضة.
إن المعارضة ليست عقوبة، كما أن الحكومة ليست مكافأة. كلاهما موقعان داخل النظام الديمقراطي. بل يمكن القول إن اصطفاف الحزب في المعارضة، قد يكون أكثر فائدة للحزب من البقاء في الحكومة، خاصة إذا نظر إليها كفرصة لإعادة بناء الحزب. وأنا أعتقد شخصيا أن التجمع الوطني للأحرار لا يحتاج، في هذه المرحلة، إلى معارضة الحكومة الجديدة فقط؛ بل يحتاج أولاً إلى معارضة نفسه.
إن الأزمة الحقيقية لأي حزب ليست في خسارة عدد من المقاعد، وإنما في فقدان القدرة على تفسير أسباب الخسارة. ومن هنا فإن الانتقال إلى المعارضة ينبغي ألا يكون مجرد انتقال في المقاعد من الجهة اليمنى إلى الجهة اليسرى داخل قاعة البرلمان. المطلوب هو تحويل المعارضة إلى فرصة لإعادة بناء الحزب. وهذه الفرصة ينبغي أن تبدأ بإعادة النظر في الأطروحة السياسية للحزب، وفي تقييم اختياراته التنظيمية والسياسية والتواصلية.
فالحزب الذي دخل الحكومة سنة 2021 بشعار يرتكز على الثقة والإنجاز والمردودية، والذي اصطدم باختيارات المجتمع سنة 2026، لا يستطيع أن يعود إلى المعارضة بنفس القاموس وبنفس المنطق السياسي. الزمن السياسي تغير، والمجتمع تغير، وأولويات الناخب تغيرت، وتجربة الحكم نفسها أنتجت معطيات جديدة. لذلك يحتاج التجمع الوطني للأحرار إلى أطروحة سياسية جديدة.
لكن إنتاج أطروحة جديدة يقتضي الكثير من الاستعداد. إذ لا يمكن أن ينتج الحزب أطروحة سياسية جديدة قادرة على تقديم إجابات للأسئلة المطروحة بعد 23 شتنبر 2026 دون إنجاز تقييم للمرحلة السابقة، ودون وجود استعداد سيكولوجي ومعرفي لإحداث التغيير الضروري.
ولهذا فإن إعادة البناء تقتضي، بالضرورة، تجديد النخب والوجوه والخطاب السياسي. غير أن منطق التجديد هذا لا يجب أن يفهم تلقائيا وكأنه انعكاس لرغبة فردية أو جماعية في تصفية الحسابات أو القيام بإعدام الماضي أو التنكر للقيادات، وإنما يتعلق بقاعدة بسيطة في الحياة السياسية: لكل مرحلة تاريخية شروطها الخاصة، وكل رغبة في مواكبة التحول لا يمكن أن تتحقق دون وجود حد أدنى من المرونة والاستعداد لتقبل التغيير فكريا وبشريا.
فالأحزاب التي تريد الاستمرار لا تعيش فقط على التنظيم الانتخابي، وإنما تحتاج إلى إنتاج الأفكار والمفاهيم واللغة التي تستطيع من خلالها تفسير المجتمع والتأثير فيه، وتحتاج أيضا إلى استعداد ذاتي لإفساح المجال أمام تجديد النخب.
إن التجمع الوطني للأحرار في حاجة إلى الانتقال من حزب انتخابي ناجح إلى حزب سياسي منتج للأفكار، فالمطلوب في النهاية ليس مجرد إعادة بناء ماكينة انتخابية قادرة على استرجاع 36 مقعداً فقدها الحزب. بل إعادة صياغة العلاقة بين الحزب والمجتمع. فالانتخابات المقبلة لا ينبغي أن تكون الهدف الوحيد لإعادة البناء، بل نتيجة طبيعية لبناء سياسي وفكري وتنظيمي جديد.
ولا يمكن للحزب أن يحقق ذلك إلا من خلال المعارضة. ففيها فقط يستطيع الحزب أن يستعيد المسافة النقدية التي فقدها بحكم موقع في التدبير، وأن يراجع اختياراته، وأن يستمع أكثر إلى المجتمع، وأن يعيد تعريف مفهومه للنجاعة، وأن يميز بين ما هو إنجاز حكومي وما هو تحول بنيوي في الدولة والمجتمع. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: قد تكون خسارة السلطة فرصة لاستعادة الحزب لنفسه.
إن التجمع الوطني للأحرار لا يحتاج إلى الدفاع عن كل شيء فعلته الحكومة، كما لا يحتاج إلى جلد ذاته سياسياً. ما يحتاجه هو شيء أكثر صعوبة: النقد الذاتي العقلاني. فالسياسة بمفهومها الحديث لا تقوم على سؤال: «من المسؤول عن الخسارة؟»، وإنما على سؤال أكثر عمقاً: «ما الذي ينبغي أن نتعلمه منها؟».
من هذا المنظور لا يمكن أن نرى المصلحة السياسية للحزب إلا في التموقع في صفوف المعارضة، لا باعتبارها انسحاباً من الفعل السياسي، وإنما باعتبارها إعادة تموضع تاريخية. فالمعارضة يمكن أن تمنح الحزب ما لا تمنحه السلطة: الوقت لإعادة التفكير، والقدرة على النقد، والمسافة عن القرار التنفيذي، والفرصة لإعادة بناء العلاقة مع المجتمع.
لكن ذلك لن يكون ممكناً إلا إذا تحولت المعارضة من مجرد موقع برلماني إلى مشروع لإعادة تأسيس الحزب؛ مشروع ينتج أطروحة سياسية جديدة، ويجدد قياداته ووجوهه، ويفتح المجال أمام أجيال جديدة، ويعيد الاعتبار للفكر والسياسة على حساب منطق التدبير الانتخابي وحده.
لقد علمتنا التجارب السياسية أن الأحزاب لا تموت لأنها تخسر الانتخابات، وإنما تموت عندما تعجز عن فهم سبب خسارتها. ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه انتخابات 23 شتنبر ليس: كيف يستعيد التجمع الوطني للأحرار المرتبة الأولى؟ بل السؤال الأعمق هو: أي تجمع وطني للأحرار يريد المغاربة أن يروا في السنوات المقبلة؟
ذلك هو التحدي الحقيقي؛ ومن حسن حظ الحزب أن الديمقراطية، حين تخرجه من الحكومة، قد تمنحه في الوقت نفسه فرصة لإعادة اكتشاف نفسه.
محمد أزوكاغ: عضو المجلس الوطني لحزب التجمع الوطني للأحرار