سياسة وعلاقات دولية
“صُندوق الكوَارث”.. شروط قانونية “تَعجِيزية” تُعطِّل تعويض ضحايا الفواجع

بين زلزال الحوز وسيول طاطا الجارفة وصولاً إلى فيضانات آسفي، لا تكاد تمر كارثة من الكوارث الطبيعية التي تفجع المغاربة في أهاليهم وأحبابهم دون أن يرتقي إلى صدارة النقاش العمومي جدل تفعيل صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية، الذي اشتهر باسم “صندوق الكوارث”، وطبيعة الشروط التي يفرضها القانون 110.14 من أجل إعلان المناطق المتضررة منكوبة جراء حدث غير طبيعي (فيضان، زلزال، حرائق، تسونامي…).
سيول آسفي الجارفة الأخيرة كانت مناسبة لتحريك الجدل الراكد حول “تَعطُّل” صندوق الكوارث الذي دخل قانونه حيز التنفيذ منذ سنة 2020، لعدم إعلان رئيس الحكومة، إلى حدود الآن، “عاصمة الخزف المغربي (آسفي)” منطقة منكوبة جراء سيول وادي الشعبة التي خلفت العشرات من الضحايا وجرفت ممتلكات العديد من الحرفيين بـ”سوق باب الشعبة”.
ويحدد القانون 110.14 المتعلق بإحداث نظام لتغطية عواقب الوقائع الكارثية شروط صارمة وواضحة من أجل إعلان منطقة منكوبة ومتضررة من كارثة طبيعية وإحصاء المستحقين للتعويضات، حيث ربطها حصريا بإعلان رئيس الحكومة، بقرار، عن حدوث كارثة طبيعية بعد استطلاع لجنة التتبع، التي تحدث عنها نفس القانون.
ومنذ 2020، سنة دخول القانون 110.14 حيز التنفيذ، إلى اليوم، فَعَّل رئيس الحكومة صلاحيته مرة واحدة فقط، حينما أعلن في أكتوبر 2023 منطقة الحوز منكوبة جراء الزلزال العنيف، إلا أنه لم يسلك نفس المسطرة عند وقوع كوارث طبيعية أخرى على الرغم تسجيل ضحايا بالآلاف ودمار كلير، وفي مقجمتها فيضانات طاطا في شتنبر 2024 وفيضان آسفي في دجنبر 2025، ما يثير النقاش حول الغاية إحداث الصندوق إذا تم “تكبيله” بشروط “تعجيزية” تحرم عشرات الآلاف من الضحايا من حقهم في التعويض ضد الوقائع الكارثية.
وأمام “تَعطُّل” تعويض ضحايا الكوارث الطبيعية بسبب شروط توصف بـ”التعجيزية”، فتح فاعلون حقوقيون وسياسيون نقاشاً حول ضرورة تعديل القانون 110.14 المحدث لـ”صندوق الكوارث” ومراسيمه التطبيقية من أجل ملاءمتها مع الواقع واعتماد شروط أخف للـ”الإفراج” عن حق الضحايا في التعويض، خصوصاً في ظل تزايد المخاطر البيئية والتهديدات المناخية خلال السنوات المقبلة.
شروط قانونية قاسية
رشيد ساري، رئيس المركز الإفريقي للدراسات الإستراتيجية والرقمنة، قال إن “الشروط القاسية التي وضعها القانون 110.14 هي التي تقف وراء عدم تفعيل تعويضات صندوق التضامن ضد الكوارث الطبيعية منذ دخوله حيز التنفيذ سنة 2020، على الرغم من وقوع ضحايا كثر للفيضانات التي أصابت مناطق متفرقة خلال الخمس سنوات الماضية”.
وأضاف ساري، في تصريح لجريدة “مدار21” الإلكترونية، أن “اشتراط إعلان رئيس الحكومة، بمرسوم، عن منطقة منكوبة قبل الشروع في إجراءات إحصاء المتضررين وتقييم الضرر وتحديد التعويضات ومستحقيها فيها أيضا جزء من التعقيد الذي يعطل تفعيل هذا الصندوق”.
وتساءل المتحدث ذاته “ما الذي يمنع اليوم رئيس الحكومة من إعلان منطقة آسفي منكوبة جراء الفيضانات الأخيرة التي جرفت الناس والممتلكات؟”، مواصلا أن “الصندوق اليوم موجود بإطاره القانوني وبتنظيم موارده المالية وبالتالي لا ذريعة لعدم تفعيل مضامنيه مدامت الكارثة التي حلت بأهل آسفي كبيرة ومؤثرة”.
وتزداد مخاوف المواطنين خلال الفترة المقبلة بحكم التحولات المناخية التي أصبح يعرفها العالم، بشكل عام، وفي المغرب خصوصاً، نتيجة الاضطرابات الجوية التي تنتج عنها كوارث طبيعية مدمرة في بعض الأحيان، فخلال الخمس سنوات الأخيرة فقط شهد المغاربة 3 كوارث طبيعية حفرت في ذاكرتهم، وهي كارثة زلزال الحوز وفيضانات طاطا بالإضافة إلى فيضان آسفي الأخير.
وفي ظل هذا السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي أن المغاربة اليوم في حاجة ماسة لتأمين ضد وقائع الكوارث الطبيعية أكثر من أي وقت مضى جراء تهديداتها على حياتهم وممتلكاتهم الخاصة، مشددا على أن خطورة هذه الوقائع تتضاعف بسبب غياب ثقافة التأمين لدى المواطنين أو ضعف قدرتهم الشرائية.
وسجل رئيس المركز الإفريقي للدراسات والرقمنة أنه “حان الوقت اليوم من أجل تعديل القانون 110.14 ليصبح أكثر مرونة وقابلية للتطبيق في سياق تزايد تهديدات الكوارث الطبيعية”، مسجلا أنه “من غير المعقول انتظار قرار إداري يعلن المنطقة المتضررة أو منكوبة من أجل تفعيل مساطر القانون واستفادة الناس من التأمين ضد الكوارث الطبيعية”.
وبالعودة إلى حالة فيضان واد الشعبة بآسفي، فقد وثقت مقاطع مصورة منشورة على مواقع التواصل الاجتماعي حجم الضرر الذي حل بساكنة وتجار المدينة القديمة، بحيث جرفت السيول عدد من المواطنين منهم من أنقذوا ومن فقدوا في مجاري واد الشعبة دون أن يظهر لهم أثر إلى اليوم بالإضافة إلى تلف سلع حرفيي الفخار بسوق الشعبة، وهو ما قاد عدد من النشطاء والفاعلين المدنيين المحليين إلى التساؤل عن تأخر إعلان منطقة آسفي منكوبة أمام كل مظاهر الخراب التي أدت إلى السيول الجارفة.
هل هو تريث حكومي؟
في حالة آسفي دائما، يؤول تأخر الحكومة، في نظر عدد من المتتبعين للشأن السياسي، في إعلان آسفي منطقة منكوبة على أنه تريث إلى أن تظهر الأسباب والحيثيات الحقيقية للفيضان. حيث توجهت، منذ الساعات الأولى للكارثة، أصابع الاتهام إلى السلطات المحلية على أنها مقصرة في تأهيل البنيات التحتية بالمنطقة وتنظيف مجاري المياه التي تُصرِّف سيول الفيضان والواد إلى البحر، وبالتالي غياب شرط القوة القاهرة.
ولم يتجاوز مستوى التساقطات، حسب رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، في جلسة الأسئلة الشهرية بمجلس النواب، الإثنين الماضي، 27 ميليمترا من التساقطات في مدة زمنية وجيزة، ما يحيل على أن هذه الكمية من التساقطات عادية في حين أن المدة هي التي لم تكن طبيعية.
ولم يتفق ساري مع هذا الطرح، حين قال إن “كارثة فيضان آسفي أكبر من أن تكون مشكل في تنظيف مجاري المياه أو في تصريف مياه واد الشعبة التي كانت بحمولة قوية”، لافتاً إلى أنه من الممكن أن تكون مشكلة صيانة أو تنظيف قنوات تصريف مياه الوادي وبالتالي اختناقها وفيضانها على الناس لكن السؤال الجدير بالاهتمام في هذه الحالة هو “من رخص لهؤلاء المواطنين بالبناء بجوار مجرى الوادي؟”.
وسجل المتحدث ذاته أنه بإضافة كل الاختلالات التدبيرية المحتملة في هذه الواقعة الكارثية فإن وقعها الكبير على السكان والممتلكات يقتضي إعلان منطقة آسفي منطقة منكوبة وإقرار تعويضات تجبر ضرر المواطنين، مشددا على أنه لا يمكن للحكومة أن تعطل حقوق الناس بداعي انتظار التحقيق في أسباب هذه الواقعة.
وإذا كانت الحكومة قد تبرر تأخر إعلانها آسفي منطقة منكوبة على أنه انتظار لنتائج التحقيق الإداري الذي فتح في الموضوع بحكم احتمال تورط مسؤولين ترابيين في التقصير في المهام المنوطة بهم في ما يتعلق بتنظيف قنوات تصريف المياه، يتابع ساري متسائلا: “إذن، ما الذي منعها في كارثة فيضانات طاطا في شتنبر 2024، التي اعترف العالم كله على أنها كارثة طبيعية إلا الحكومة الذي لها رأي مخالف؟”.
الحاجة لسد ثغرات قانون “صندوق الكوارث”
وفتحت فاجعة سيول آسفي الجارفة جدلاً واسعاً بخصوص الشروط التي يحددها المرسوم التطبيقي رقم 2.18.785 المتعلق بتطبيق القانون 110.14 من أجل إعلان منطقة منكوبة أو متضررة من كارثة طبيعية، إذ تشترط المادة 4 مدة 504 ساعة متتالية في حالة الفيضان و168 في حالة الزلزال و168 من (التسونامي).
ويدفع منتقدو هذه المدد “المبالغ فيها”، حسبهم، في اتجاه تعديل القانون المؤطر لتعويض المتضررين من الكوارث الطبيعية وتحيين الشروط المطلوبة من أجل إعلان منطقة منكوبة وتكييفها مع الواقع الذي نعيشه.
نوفل البعمري، محامي ورئيس المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، قال إن “المدد الذي تنص عليها المادة 4 من المرسوم التطبيقي رقم 2.18.785 القانون 110.14 من أجل اعتبار واقعة على أنها كارثة طبيعية هي مدد غير واقعية وغير مقبولة”، متسائلا “كيف يعقل أن ننتظر 500 ساعة متتالية من أجل اعتبار منطقة متضررة من فيضان أو 168 ساعة متتالية في حالة وقوع الزلزال بما في ذلك الهزات الارتدادية؟”.
واستغرب الفاعل الحقوقي، في تصريح لجريدة “مدار21” الإلكترونية، أن تصدر حكومة مرسوم بهذه الشروط الغريبة والتعجيزية من أجل تفعيل صندوق معبأ من أموال دافعي الضرائب لتعويض متضرري الكوارث الطبيعية”، مشددا على أن “توالي الكوارث الطبيعية التي تفجع المغاربة خلال السنوات الأخيرة يتطلب إعادة النظر في القانون ومراسيم هذا الصندوق وفتح نقاش عمومي لاستدراك هذه النقائص”.
وتابع المتحدث ذاته أن التعديلات على القانون ومراسيمه يجب أن تراعي التغيرات المناخية التي يعرفها المغرب وتخفيف الشروط المطلوبة لإعلان منطقة منكوبة، مشيراً إلى أن فيضان آسفي مثلا استطاع أن يغرق سوقا بأكمله في ظرف دقائق من التساقطات الكثيفة، وبالتالي ضرورة اعتماد الأثر عوض مدة الكارثة الطبيعية.
ولأن سلطة التشريع عند البرلمان، ربطت جريدة “مدار21” الإلكترونية الاتصال بالنائبة البرلمانية عن فريق التقدم والاشتراكية، نادية التهامي، والتي سبق أن وجهت سؤالاً كتابياً في هذا الاتجاه، والتي قالت بدورها إن “عدداً من المواد في القانون 110.14 التي تعرقل تفعيل صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية ومنها وفي مقدمتها أن الحكومة لا تعترف بحدوث كارثة طبيعية واحدة إلا إذا ارتفع مستوى المياه أو الفيضانات بما في ذلك السيلان السطحي وفيضان المجاري المائية وارتفاع مستوى المياه الجوفية وانهيار السدود بسبب ظاهرة طبيعية والتدفقات الطينية مدة 504 ساعات متتالية”.
تشديد شروط إعلان مدينة ما منكوبة نتيجة كارثة طبيعية، حسب النائبة البرلمانية، يعكس في الجوهر غياب حرص القانون على تخفيف أضرار الكوارث الطبيعية على المواطنين وممتلكاتهم وتقليص كلفته على ميزانية الدولة، مبرزةً أنه نتحدث اليوم عن الموتى والمفقودين فقط دون أن نفكر في إحصاء المحلات التجارية التي تضررت جراء هذه السيول.
واعتبرت التهامي، في تصريح لجريدة “مدار21” الإلكترونية، أن الأولى في مثل هذه الكارثة التي حلَّت بآسفي هو شروع الحكومة، بعد إنقاذ الضحايا، (شروعها) في تقييم حجم ضرر الفيضان على الناس وممتلكاتهم في حينه عوض انتظار 504 ساعات متتالية التي يحددها القانون من أجل تدخل السلطة الحكومية في تدبير الكارثة.
وشددت المتحدثة عينها على أن هذا النص القانوني لا يأخذ بعين الاعتبار الطابع المفاجئ والعنيف والوجيز للكوارث الطبيعية بحكم تحديد المرسوم رقم 2.18.785 الصادر في 29 أبريل 2019 بتطبيق القانون رقم 110.14 لاستمرار الزلزال أو الفيضان لمئات الساعات من أجل إعلان منطقة منكوبة، مشددةً على أن هذا الأمر يتطلب تدخلا تشريعياً لرفع كل هذه التعقيدات التي تحرم آلاف المتضررين من حقوقهم في التعويض ضد الكارثة الطبيعية.