سياسة وعلاقات دولية

إشراك الأحزاب.. الملك يحوّل الإجماع الوطني من خطاب لممارسة لتحيين مبادرة الحكم الذاتي

بأمر من الملك محمد السادس، ترأس مستشاروه أمس الاثنين، الطيب الفاسي الفهري وعمر عزيمان وفؤاد عالي الهمة، اجتماعًا جمع زعماء الأحزاب الوطنية الممثلة بمجلسي البرلمان، إلى جانب كل من وزير الداخلية ووزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، في إطار متابعة تنفيذ القرار الملكي بشأن تحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي، ضمن السيادة المغربية.

وأوضح بلاغ الديوان الملكي أن الاجتماع يعكس إرادة المملكة في اعتماد مقاربة تشاركية وتشاورية واسعة، تضمن إشراك جميع الأطراف السياسية في اتخاذ القرارات المصيرية.

ونقل مستشارو الملك رسالة العاهل المغربي إلى زعماء الأحزاب، داعين إياهم لتقديم تصوراتهم ومقترحاتهم حول المبادرة، بما يعزز الوحدة الوطنية ويؤكد مكانة المغرب كدولة قوية، ذات رؤية واضحة ومسار مستدام نحو التنمية والاستقرار.

بهذا الصدد، اعتبر عبد العالي سرحان، الباحث في العلوم السياسية، أن الاجتماع بين مستشاري الملك محمد السادس وزعماء الأحزاب ليس مجرد لقاء تشاوري، بل يشكل خطوة مؤسسة لإعادة هندسة الرؤية الوطنية حول الحكم الذاتي بعد ما يقارب عقدين من طرح المبادرة لأول مرة.

واعتبر سرحان في تصريح مقتضب لجريدة “مدار21” الإلكترونية، أن الدعوة إلى تحيين وتفصيل المبادرة تشير إلى انتقال المغرب من مرحلة الدفاع الدبلوماسي إلى مرحلة البناء المؤسسي، إذ لم يعد المطلوب فقط إقناع العالم بعدالة القضية، بل بلورة نموذج عملي للحكم المحلي يبرهن على جدية المغرب واستعداده لتفعيل الحل من داخله.

وأضاف الباحث أن إشراك الأحزاب السياسية في هذا المسار يحمل رمزية سياسية مزدوجة؛ فهو من جهة يؤكد وحدة الجبهة الداخلية حول الصحراء باعتبارها قضية فوق الحزبية، ومن جهة أخرى يحمل النخب السياسية مسؤولية المشاركة في إنتاج تصور وطني مشترك بدل الاكتفاء بالتأييد الخطابي، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن الإجماع الوطني حول الصحراء، يتحول من شعار إلى ممارسة تشاركية في صياغة المستقبل المؤسساتي للأقاليم الجنوبية.

وأوضح سرحان أيضًا أن الاجتماع يشير إلى بداية مرحلة “التحول من المبادرة إلى المشروع”، أي الانتقال من الوثيقة الدبلوماسية إلى النموذج الإداري والسياسي، مبرزا أن تحيين المبادرة لا يعني مراجعة جوهرها، بل تفصيل آلياتها العملية في مجالات الحكم المحلي، والتمثيل السياسي، والعدالة الجهوية في توزيع الموارد، بما يعزز شعور الانتماء ويقطع مع منطق المركزية، معتبرا أن هذه الخطوة تنقل النقاش من الشرعية الخارجية إلى الفعالية الداخلية، بما يعكس رؤية استراتيجية متقدمة للمملكة.

وأشار الباحث إلى أن الرسالة العميقة التي ينبعث منها هذا اللقاء هي سعي المغرب إلى تحويل قضية الصحراء من ملف نزاع إلى ورش بناء وطني شامل، مردفا: “حين تُطرح مقترحات عملية لتدبير الشأن المحلي وتوسيع صلاحيات المنتخَبين الصحراويين، يتحول موضوع الصحراء من معركة حدود إلى ورش لإرساء دولة متوازنة، معتمدة على التنمية والحكامة المحلية كأدوات لتعزيز السيادة”.

وختم سرحان بالتأكيد أن هذا الاجتماع يمهد لتأسيس “جيل جديد من الشرعية” يقوم على المشاركة الوطنية في صياغة الحل، وعلى قدرة المغرب على ترجمة رؤيته إلى أرض الواقع، مبرزا أنه عندما يتم تفعيل مبادرة الحكم الذاتي بملامح مغربية خالصة، ترتكز على الكفاءة والمساءلة والتنمية، تتحول الصحراء إلى نموذج يحتذى به في تدبير التعدد ضمن الوحدة، في فلسفة عميقة تعبر عن الانتقال من إدارة الملف إلى صناعة المستقبل.

إغلاق